يحفر القبور ويكسو الموتى أحمد الطيب شيخ العرب: حليلو أبوي الأيدو عطايا

0 166

بروفايل: الريح عصام جكسا

هو واحد من أعيان مدينة ود مدني، عرف منذ نعومة أظافره بالحلم والمروءة والكرم، علم من أعلام المدينة بل السودان عامة بأفعاله الجليلة التي خلدها التاريخ، وكما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (الخير في وفى أمتي إلى يوم القيامة) وكانت النساء يكنين أبناءهن بكنيته (شيخ العرب)..

كان يعمل بالتجارة وصاحب أموال مباركة صرفت في أعمال خيرية في تلك الحقبة من الزمن وظفها في خدمة المرضى وإكرام الموتى، وعلى سبيل المثال لا الحصر كان يقوم بشراء الدمورية لعنابر المستشفى ليقي المرضى حر الصيف وبرد الشتاء.

(2)

أحمد الطيب شيخ العرب متعهد بدفن موتى المستشفى ومساعدة المرضى وأهلهم المرافقين والدفع من حر ماله لتجهيز القبور.. تعرفه مدينة مدني عن بكرة أبيها وعند وفاة أحد قاطني المدينة يقومون بالإرسال له ولا يتوانى في تلبية النداء، يذهب للمقابر ويجهز القبر ويرسل لأهل المتوفى بأن القبر جاهز.. وعرف عنه أنه إذا لم يوجد في المنزل فهذا يعني أنه في المقابر.. رجل بسيط يحبه الجميع ويعرفه الكل لا تفارق البسمة شفتيه وشعاره دائماً (تبسمك في وجه أخيك صدقة).

(3)

كان ( أحمد) طويلاً عالي الرأس كصاري المركب، إذا مشى تبعته أزهار اللوتس وشقائق النعمان. عمل بالتلفونات لفترة من الزمن بمدينة (الحصاحيصا) ثم اتجه إلى التجارة بعد نصيحة أخيه الأصغر حميدة (الذي هاجر للحبشة وعمل بالتجارة وكوّن ثروة من المال هناك ثم عاد واستقر بالدمازين) وانطلق (أحمد) في العمل التجاري بمساعدة أخيه حميدة وعمل في مجال الصفيح- العيش، ولمع اسمه، ومنحه صديق عمره الريح إبراهيم الريح- رحمه الله- دكاناً بسوق العناقريب وأصبح هذا الدكان قبلة للغادي والرائح. وأصبح ديوان منزله كذلك يجمع النزلاء من كل أنحاء السودان وجمع كبير من طلاب العلم الذين أصبحوا الآن يشكلون رموزاً وطنية ويحتلون مراكز مرموقة بالدولة.

(4)

في الستينات كانت نقطة التحول في حياته، هجر العمل التجاري وسلمه إلى ابنه (عباس) الذي بدأ يباشر العمل التجاري ويهتم بشؤون الأسرة وتفرغ أحمد للآخرة تاركاً الدنيا، والقرار برمته قرار صعب لا يقدر عليه إلا نوع خاص من الرجال لاسيما أن الحياة بالسودان كانت حينها حياة رغدة سهلة والناس كانت تعيش في بحبوحة حيث كان الواحد فقط يستطيع حمل عبء (10) أشخاص أو يزيد؛ وفي زخم هذا الترف ترك الحياة وأعطاها ظهره.

(5)

كانت حياته تبدأ في الساعة الرابعة صباحاً حيث يستعد للصلاة ثم يصلي صلاة الفجر؛ بعدها يتجه إلى السوق الكبير لتناول شاي الصباح (لبن سادة) ثم إلى المستشفى لتفقد المرضى ومساعدتهم؛ ومساعدة الأطباء وقضاء حاجاتهم؛ والذهاب إلى المشرحة ودفن من لا أهل له؛ وبعدها يتجه إلى السجن لتفقد السجناء والضحك معهم وبصفة خاصة مختلي العقل. وفي الظهر يذهب إلى صديقه أحمد عبد اللطيف ليؤدي صلاة الظهر والتفاكر في أمر المدينة، وقضاء بعض المجاملات الاجتماعية. برنامج المساء كان الذهاب إلى منزل يوسف أبو الروس أو إلى منزل الأمير نقد الله للتشاور في أمور حزب الأمة وأشياء أخرى، ويصلون العشاء ثم ينفض السامر وكل يذهب إلى منزله.

(6)

أواخر الستينات كانت الانطلاقة الكبرى في حياة شيخ العرب، فقد بني عنبراً بمستشفى ود مدني أطلق عليه فيما بعد عنبر ( شيخ العرب) وحتى الآن لم تحدد الجهة أو الشخص الذي أطلق عليه لقب ( شيخ العرب) وطبق اسم شيخ العرب الآفاق، وأصبح على لسان الكبير والصغير عندما يأتي ذكر الموت، أو الإحسان أو المروءة أو الشهامة – وخاصة أهل القرى حول مدني- فكنوا له الحب والود التقدير؛ وأصبح منزله وديوانه وجهة لكل ضيوف الجزيرة ولطلاب العلم؛ وكثير من يقودون العمل العام بالسودان كانوا نزلاء هذا المنزل.

(7)

زادت مسؤوليات شيخ العرب، وكثر العمل العام عليه- لاسيما دفن الموتى- وبدأ في تدريب الشباب على ذلك، وبرز من هؤلاء فهمي البوشي الذي خلفه، وأحمد بابو وعيسي حسين وقادوا العمل بكل اقتدار ومسؤولية، وقد خصص له قسم الشؤون الاجتماعية بإدارة مشروع الجزيرة سيارة وسائقاً تحت تصرفه، ومنحته مستشفى مدني (إسعافاً) لهذا الغرض، بالإضافة إلى أنه تكفل بمعدات حفر القبور كاملة- والتي كان يحفظها بمسجد (البوشي)- وجعل من شجرة أبو الأقوان) متكأ له يستريح تحتها يداعب الشباب ويداعبوه؛ علاوة على ذلك فإن مصنع (فتح الرحمن البشير) قد خصص له بالات من دمورية يستعملها في فرش أسرة عنبر شيخ العرب؛ وخياطة الأكفان التي كان ملتزماً بها عمنا إبراهيم فرج (والد الفاتح كرناف) رحمه الله.

(8)

لديه عنبر باسمه تخليداً لذكراه العطرة وهو من الشخصيات التي سجلها التاريخ بأحرف من نور في سجل زمن فات لزمن آت، يقول الأستاذ عبد الرحمن النويري عنه متحسراً على فراقه: ما زالت ود مدني تذرف الدمع السخين لفراقه.. عقمت النساء أن يلدن مثله، كما فقدت ود مدني قبله والدنا شقدي النائم.

(4)

الشيخ أحمد الطيب شيخ العرب رجل جدير بالتوثيق والاحتفاء، جعل الله قبره روضة من رياض الجنة، وجعل البركة فى أبنائه وأحفاده..

Leave A Reply

Your email address will not be published.