مطبعة الجزيرة الحكومية.. استنهاض شهوة الحياة

0 177

عرض: راشد حامد عبدالله

” الوجه الذي في الصباح، ليس هو الوجه في الظهيرة، وليس هو الوجه في المساء، لا شيء ثابت، كل شيء يتحرك، ويتبدل؛ فتأمل!!.. توقيع للفنان التشكيلي محي الدين الريح إبراهيم في ردهات معرضه الفني الذي حمل عنوان: “وجوه.. وأشياء أخرى” بمطبعة الجزيرة الحكومية التي تأسست رؤيتها على أنها ليست مجرد مكان للطباعة، وإنما مصدر إشعاعٍ ثقافي، بعرض أعمالٍ فنية في باحاتها المختلفة، واستضافة أدباء، وشعراء، وروابط ثقافية من خلال مسرح صغير ليكون لها دور ثقافي وتوعوي في المجالات كافة، حيث تبنت استضافة معارض التشكيليين بمقرها بود مدني بشكل شهري، ليكون “الريح” ثالثة الأثافي بانطلاقة معرضه في السادس من ديسمبر الجاري خلفاً لأمين الزين، ود. صديق سليمان الصومالي.. 

وجوه

**بروفايل
محي الدين الريح من أبناء مدينة ود مدني 1945م نهاية الحرب العالمية الثانية، ويمثل له ذلك “فألاً حسناً”.. أجاءه مخاض الفن في المدرسة العربية المصرية التي كانت تسمى وقتها: “الاتحاد العربية”، حيث اشترك في إحدى المسابقات لتصميم ميدالية ذهبية للعمال وأحرز فيها الدرجة الكاملة (10/10)، حيث ذهب عمله إلى القاهرة وحصل على جائزة، وألوان، وفُرش، ليتبين له من وقتها الطريق الذي سيسلكه..

**توقيعات ود الريح

قطع محي الدين الريح لحظات قص الشريط التقليدي لمعرضه الفني، بتلاوة كلماتٍ خطها شكراً وعرفاناً لأسرة المطبعة الحكومية، عبرت عن مكنونات صدره، ومشاعره تجاههم: “تحية الحياة المفعمة بالحب.. والخير والجمال والحق.. بين أيديكم وتحت أنظاركم لوحاتي المتواضعة والتي هي من لحمي ومن دمي.. خرجت للوجود في ظروفٍ صعبة وقاسية فيها التفاؤل، والتشاؤم، شأنها شأن الحياة.. وهي الآن أصبحت مُلكاً خالصاً لكم.. ولكل من يقف أمامها متأملاً.. لوحاتي انفصلت عني والتصقت بكم وهذا هو ما أريده.. ومرة أخرى أحييكم من قلبي.. شاكراً الأستاذ الكبير؛ الفنان: محمد عبدالنبي الذي بحسه الفني العالي هيأ لنا هذا المكان الرائع لنصنع الحياة من جديد، الحياة التي افتقدناها طيلة (30) عاماً، ولكن معاً يداً بيد، نسعى لخلق حياة جميلة تليق بهذا الوطن الجميل”..

**شخصية فنية خاصة
واعتاد الريح قُبيل رسم لوحاته، الإطلاع كثيراً، وتقليب صفحات الكتب، وقد تردد على المكتبة الأمريكية بالخرطوم، حيث طالع كتب الفن التشكيلي، كما طالع كتب الفنانين الغربيين بالمجلس البريطاني، لتتشكل عنده شخصية فنية خاصة به، ويبدأ في حب الفن لدرجة أصبح يرى في أي شيء حوله “لوحة”.. غير أن توجه “الريح” لم يكن موافقاً ومُرضياً لرغبات الأسرة التي أرادت له دراسة القانون بحكم امتلاكهم أراضٍ كبيرة، وعقارات تحتاج من يراعيها ما جعله في مفترق طرق بين الفن والقانون الذي دخله مضطراً أمام إصرار الأسرة ودرس فيه ثلاث سنوات.. 

**المطبعة.. حكاية جميلة
“الريح” بدا سعيداً بمبادرة المطبعة التي رأى فيها “حكاية جميلة وحاجة غير عادية” لم يكن يتوقعها.. وخص بالشكر محمد عبدالنبي مدير عام شركة الجزيرة للطباعة والنشر، رغم معرفته الحديثة به ووصفه بالفنان الكبير الفخم، والإداري الناجح، والرجل غير العادي إذ هيأ لهم مكاناً لـ”استنهاض شهوة الحياة رغم الموات المُهيمن”..

وجوه

**التشكيل بالجزيرة بخير
ولا يبدو الرجل قلقاً على الفن التشكيلي بالجزيرة؛ فهو يراه مزدهراً في بلدة معروفة عالمياً بأنها موطن وموئل للإبداع وأرض خصبة للفنون، ومرتع للمبدعين، غير أنه يؤكد أن الوطن الذي يقتل فنانيه، ومبدعيه لا يستحق أن نموت من أجله، وهذه في نظره الحقيقة الكبرى، أو المفارقة الكبرى حد وصفه..

**تخمة بصرية وجمالية
الناظر لحركة التشكيل السودانية؛ يجد أنها قد اتخذت لنفسها موقعاً متقدماً في خارطة الفن التشكيلي العالمية بشكل واضح فيه تفوق كبير على الأقران بالمنطقتين العربية والقارية؛ ما يبعث التساؤل في نظر التشكيلي د. طارق مصطفى عن مدى تناسبه مع مُجمل التطورات التي حدثت في العصور الوطنية الحديثة، أم لها ارتباط بجذر تاريخي عميق لتصبح هذه هي الحلقة المفقودة؛ لجهة أن السودان كان رائداً في الحراك البشري بالمنطقة، وأنتج أولى الحضارات الإنسانية التي حدثت معها طفرة في الفن التشكيلي تجاوزت كل الحلقات المفقودة؛ ليتبوأ الفن التشكيلي السوداني موقعاً متقدماً في هذا المضمار..

د. طارق مصطفى

واحدة من هذه النواتج كما ذكر مصطفى هي الإنتاج الضخم للفنان محي الدين الريح الذي يعتبر بحق قامة تشكيلية عالمية كبيرة حسب وصفه.. مؤكداً استمتاع الجميع بهذه الأعمال الفنية.. يقول: “الناظر لمعرض الفنان التشكيلي محي الدين الريح؛ لا يستطيع إكمال مشاهدته لهذه الأعمال والتمتع بها دون أن يصاب بالتخمة البصرية والجمالية حد التوقف”..

ويمضي: “محي الدين اعتصر نفسه في هذه الأعمال؛ مستعيناً بشفافية، ودقة ملاحظته لكل ما يجري من حوله، حيث سجل لحظات ذروة من الحياة بأوجهها المختلفة، كما سجل لحظات فارقة فيما يجد من حوله، وتفاعل ذلك كله مع خبراته الجمالية في إنتاج أعمال فيها غنى بصري، وجمالي، وفكري، أكثر مدعاة للتأمل المستمر بما يفتح حواراً عميقاً بين المشاهد للعمل، والذات، وما يحيط به.. 
   
ويؤكد مصطفى أن هذا المعرض هو جانب مما نحتاجه بشدة لتشذيب حياتنا، وإعادة صياغتها بشكل أكثر إنسانية، وذوقية، وقيمية.. وتمنى أن تتواصل مثل هذه الأعمال، وأن يرتقي المجتمع إلى ثقافة امتلاك العمل الفني كظاهرة مفقودة، وخطوة مشجعة للفنانين..

وطرح فكرة للشراكة مع المطبعة الحكومية تتأسس على إعادة إنتاج بعض الأعمال “طباعياً” تحت مشروع: “لوحة في كل بيت” بإعادة طباعة هذه الأعمال وتوزيعها بشكل يُمكن الناس من اقتنائها. وأضاف: نريد كتشكيليين أن يساهم هذا الرافد الثقافي المهم في حياتنا بشكل أكثر وضوحاً باعتباره فن لم يأخذ بعده الجماهيري الواسع. وأردف: علينا الإسهام بجانب في نشر المساحات من خلال إعادة إنتاجها مع المطبعة، ولا أتصور أن يمانع التشكيليون في التنازل عن حق مادي في سبيل هذه الفكرة المنتظر أن ترسم مستقبلاً يتضمن قدراً عالياً من التواصل لمجتمعنا مع الأعمال الفنية والتشكيلية..

**أفكار وتجارب ذاخرة
ويصف التشكيلي حامد صبّار معرض محي الدين الريح بالذاخر والمليء بالتجارب والأفكار المختلفة، حيث وظف فيه أكثر من أسلوب، بالإضافة إلى أن الموضوعية في لوحاته جاذبة جداً. يقول: “لوحاته معبرة وموضوعية رغم أنه لم يتطرق فيها لأكثر من لونين”..

التشكيلي: حامد صبّار

ويتابع: “سمته الطاغية على عمله هي: الموضوع، والموضوع هو: صلب وأساس العمل التشكيلي، بالإضافة لامتلاكه الشجاعة للعمل باللونين الأبيض والأسود كأصعب أنواع الممارسات التشكيلية في عمل متكامل، غير أنه حقق نجاحاً كبيراً في مجموعة من الأعمال المطروحة بمعرضه.

ويضيف صبّار: “محي الدين الريح لديه جرأة غير عادية في استخدام الفرشاة، والأدوات المختلفة غير التقليدية في تنفيذ العمل، والخامة التي يتعامل معها، والبعد عن الزخم والتزاحم اللوني، والتركيز على تناول موضوع بعينه بلونين وطريقة بسيطة، وسهلة، ومعبرة ما يفتح الباب أمامه لرسم لوحات ذات مشاريع كبيرة جداً..
ويفسر صبّار ظاهرة تعامل الريح بالبدائل في أغلب الألوان بولعه وطابعه التنفيذي السريع والجريء في استخدام الألوان التي يمكن أن تعطيه قراءات آنية، أو تجف سريعاً بحيث يُسعِف نفسه في اللحاق بالفكرة المسيطرة عليه أثناء العمل؛ فيما يسمى بأسلوب “التسابق الذهني” في الإسقاط للعمل الفني، بحيث يسابق نفسه، وزمنه بأدواته لتوصيل وتكوين الفكرة التشكيلية..

ويرى في المعرض عملاً ناجحاً وغزيراً جداً يتأسس على 3-4 تكنيكات؛ وخامات مختلفة، ويضيف: “أنا من أنصار أن الخامة يجب ألا توقف الفنان التشكيلي عن عمله، وينبغي مجانستها بموضوعية في العمل”..

وأردف: ” لوحاته تقرأ فيها بعداً ثالثاً، وحتى اللوحات الطبيعية له طريقته الخاصة في الإسقاط عليها، وهي طريقة أحسبها موفقة جداً جداً.. واقترح مستقبلاً أن يتم العمل على خامات ذات قيمة عالية، والتطرق لأحجام أكبر فالريح “زول يده حرة” ويمكن استخدامها في المساحات الكبيرة بحيث تعطي نتائج أجمل وأبهر..

**الوفاء بشروط اللوحة
وبالنسبة للتشكيلي الفاتح عُلما ساتي، فإن معرض محي الدين الريح لبى جزءاً من أشواق التشكيليين بالولاية، وعبر عن سعادته بأن تعمل المطبعة الحكومية في ريادة الثقافة مع المواعين الأخرى. ويضيف: رغم أن الصالات ليست متاحة بالمعنى الحقيقي كصالات عرض، إلا أنها حققت 80% من مشاريعنا الثقافية الطموحة فيما يلي التشكيل..

ويرى في محي الدين الريح حالة تشكيلية، وفنان شامل صاحب رؤية في القصة القصيرة، والرواية، والتصميم، علاوة عن الإنتاج الكثيف والرغبة دائمة لإنتاج لوحة تحت أي ظرف من الظروف.. ويضيف: “يحوم كل المدارس في لحظة حوجته للتعبير عن نفسه ولوحته، ولا يوجد لديه مساحة فارقة بين الفنون التشيكلية، والمجالات الأخرى..

الفاتح علما

وتوقف عُلما عند لوحة “أم الشهيد” ورأى فيها: “حاجة مدهشة” لفنان يعد من رواد الجزيرة، كثيف الإنتاج على نحو يومي.. يقول: “محي الدين له أسلوب وبصمة تميزه تأتت من تراكم الخبرات الجمالية في الممارسة”..

وبعيداً عن نقد اللوحة في ذاتها، يعتبر عُلما أن المعرض التشكيلي؛ أوفى كل شروط اللوحة، وفي المجمل هنالك أثر بصري جميل لولايتنا، وتمنى أن تواصل المطبعة في هذا النهج لتكون حاضنة للثقافة والفنون في كافة مجالاتها..

Leave A Reply

Your email address will not be published.