رهق المنافي.. التيه

0 103

علي عبدالله بابكر

ملف (1)

            على نفسك… تقترح أرض الكنانة… مطرح علم، ومنهل معرفة… لأن بنفسك توق للحرية… وعشق الفضاءات الرحيبة…

             بكل العزم … سريعاً سريعاً… تسحب أوراق قبولك… في جامعة أرض الوطن… وتحزم حقائبك المحشوة، بحب التسالي، ودرازن أمواس “ناست” الحادة… تشد رحالك منسرباً، في أفواج الطلاب وأسراب الطالبات… المبتعثين على منحات التكامل المجانية….

             يحملك قطار الشمال… فتى طرياً ..غض الإيهاب،  ناحل العود… فى عنفوان تفتق فتوة شبابك… إبان سبعينيات القرن الماضي… والدنيا تفور، وتمور بدعاوى المد القومي، والوحدة والتكتلات، والاندماجات، والتكامل الاقتصادي للأمة….

            في أذنيك…  تصلصل عجلات القطار…  مثلما تصلصل، وصايا أبيك العشر… في المحافظة على نفسك… وأنت الغر اليافع.. و من ذوي القربى، والأرحام من أهلك.. تنهال عليك التنبيهات والمحاذير… من النشالين واللصوص… الذين يسرقون الكحل، من العيون… حتي أدمنت… فيما بعد… تخبئة نقودك داخل جوارب حذائك…!

                تمخر بك السفينة… العجوز… عباب مسطح البحيرة المائي العظيم… في تكاسل شديد، حتي تتخمون من الملل البليد… لكن خضرة شمال الوادي… تدهشك وتنعش روحك، المكدودة  من عناء وعثاء الرحلة… و الخوف من المجهول….

               يفزعك التدافع والتزاحم، وكثرة الخلق والخلائق… في محطات القطارات…

المفتخر منها والبئيس… المكتظة بالملايين… و تغرق في العجب، والاستغراب… من العوالم الجديدة، وعجائب الدنيا… التي تبدت لك، و أنت تخطو نحو الشمال….

              حتي تحتويك أم الدنيا… بضجيجها وعجيجها وبشرها، وناسها المائجين… مثل يوم الحشر.. وأنت الغشيم … القادم من أقصى ضهاري الريف…. فتصفعك مناظر العمائر… الضخمة الكثيرة… حتى تشعر بالدوخة، في رأسك… من كثرة التأمل…

            لكنك رويدا رويدا… تتواءم مع واقعك الجديد…  فتعرف السكن في الشقق المفروشة… والنوم في البلكونات وفي السطوح… تحت سماوات ملبدة بغيوم ضباب دخان عوادم السيارات… وأبخرة المصانع الملوثة…

           فيجتاحك الحنين… إلى حوش داركم الوسيعة.. في البلدة… المرصع بالنجوم والقمر البهي….  

          في سنتيك الأولتين… عرفتك الجامعة.. طالب علم مثابر… تواظب على الانتظام في قاعات الدرس والتحصيل… لكن لما لانت عريكة غشامتك… وتفتحت نوافذ الحب في قلبك… عرفت دروباً كثيرة وكثيرة…

         أدمنت ارتياد المسارح… ودور السينما… حتى شارع الهرم العتيد… اقتحمته تغريك بسطة جسمك، و مال أبيك السائب في جيبك… حتى غدوت خفاشاً… تدب في الليل وتغفو آناء النهار…

       في غير المواسم… كنت تسوح… بين القبلي والبحري.. متابعاً هوى نفسك…. حتى تناهت للبلدة.. أخبار تسكعات صيعاتك… فتوالت عليك.. خطابات أبيك النارية.. بالتهديد والوعيد والثبور وجلائل الأمور… مع ذويك من القادمين… من تجار الشنطة المترددين… ومع أهلك… من المرضى المتطبين… الهابطين الصاعدين.. كل صباح.. على بطاقات وادي النيل المجانية…

                   لكنك تعلم يقيناً… أن أشرعة مراكبك… كانت قد انطلقت بلا عودة… لأن السياسة والأنشطة الطالبية… كانت قد استهوتك… فبزغ نجمك… طلائعياً ثورياً… ترتدي مزق بنطلونات الجينز القذرة، والأقمصة المزركشة، وشعرك منكوش بالخلال… مثل قنفذ بري …. تعتلي المنابر… في الليالي السياسية… وتنشد القصائد في المنتديات الأدبية….

                  الأيام والشهور والأعوام… تكر عليك.. أفقك يتسع .. وعودك ينضج…

ولكنك تتسكع في التخرج.. بضع سنين… حتى تلفظك الجامعة ذات يوم… خريجاً عاطلاً.. في الاقتصاد وفن التسويق… تبحث عن مهنة… في بلد يموت شبابها.. من كساد سوق العمل…

                 لكنك أبداً..  ما فكرت في الرجوع .. لأنك مقتنع تماماً… بأن سقف سماء الوطن…. لا يسع طموحاتك الكبيرة…

                تتوه في قلب المدن الكبيرة… تحترف مهناً هامشية كثيرة… لا تثمن ولا تغني من جوع … لكنها كانت تؤمن لك، العيش والحركة في المتاهة الكبيرة…

                              ملف  (2)

                 تدب فى الأرض… تمشي في مناكبها… تبحث عن رزقك الحلال…

الخيارات  أمامك مفتوحة… على أطلس الدنيا.. إلى كل مكان وإلى أي اتجاه.. الشرق… الغرب… والشمال…. إلا الجنوب… إليه أبداً لن تعود… تبحث لك عن منفى، رغيد يحضنك.. حتى هداك أبو منصور… إلى بلاد الهلال الخصيب… فعشقت باريس الشرق، عاصمة الحرية والنور… فى  دجنة ظلام،  تسلطات أنظمة الأمة القمعية…

               الرجل الثري…  أحب  فيك شفافيتك… برغم  سمرة بشرتك القانية… بلون الشيكولاتة.. فأصبحت بين يوم وليلة… سنده وعضده… في إدارة كل الشؤون والأعمال…

                في أحيان كثيرة… تفكر في نفسك… لو كان لونك أقل قتامة…  فربما كان الرجل،  سيفكر فى تزويجك ابنته… من فرط  ثقته فيك….

               نفسك دائماً… تستمتع باجترار واقعة ميدان التحرير….

الصدفة السعيدة،  وحدها أو رحمة ربك… كما تقول… هي التي جمعتك بالرجل الطيب….

                في عنفوان ساعة الذروة… والدنيا فائرة مائرة… الآلاف المؤلفة من الآوادم، يدبون  في الميدان… بكل رأس عينان، وكل رأس  تحمله ساقان… تحسب  وتحصي، وتعيد الحساب…

               كم من الأقدام مرت من هنا ؟؟؟.. كم رجلاً وطئت من هنا ؟؟… ولكن  قدمك السعيدة، وحدها  هى التى عثرت  بالكنز…. حدسك وحده… هو الذى أغراك بالنظر… إلى  موطئ قدميك، فى تلك اللحظة.. فرأيتها قابعة هنالك، في انتظارك…  بسرعة جداً التقطها.. حشرتها في جيبك، حتى لا تثير نظرات الفضوليين … العاجين الضاجين فى المكان…

              في محتوياتها… كانت بطاقة شخصية، وأوراق بنكنوت عملة أجنبية.. أصابعك في  ارتعاش، تحسستها.. تأكدت من صحتها…

            لكن نفسك… تأبت أن تعدها… لأنك في يقين قناعتك التام… تحس أنها لا تعنيك، ولا تخصك.. لكن كل  الذي كان يعنيك… ويثقل عليك… هو كيف ترد الأمانة لأهلها ؟؟؟

           كلت قدماك… في البحث عن الرجل الثرى، والعنوان.. وهو حين رأى محفظته في يدك.. مات بالدهشة… عدة مرات قبل أن يسألك فى استغراب…

                  إنك عاطل ومحتاج .. فلماذا أعدت النقود؟

               فقلت له ببساطة  ..         

             انى اخاف الله ..  ولأن ابى  اوصانى  … ان لا آكل اموال الناس بالباطل ….

        تهدج صوت الرجل  وهو يقول لك  ..

            طوبى لمن يخشون الله هذه الأيام …. وطوبى لمن  يبرون آبائهم …

           انت يا  أبنى  رجل من خارج  سياق  هذا الزمان  …و انا لن استغنى عنك  ابد ا……

على عبدالله بابكر

ودمدني 2005م

Leave A Reply

Your email address will not be published.