أن تكون أستاذاً جامعياً

0 214

مصطفى آدم سليمان أحمد

مُصْطَفَى آَدَمُ سُلَيْمَانُ أَحْمَدُ

    تعتبر وظيفة الأستاذ الجامعي من أرقى وأسمى الوظائف المرموقة على مر العصور المختلفة، رغم أن هذه المكانة تقهقرت في كثير من الدول بصورة نسبية لسطوة المادية وجهل الأستاذ نفسه بدوره الريادي المنتظر. لكن لا زال بريقها يشع، ليس للمكانة الاجتماعية التي يجدها الأستاذ فحسب؛ بل للدور المنوط أن يقدمه تجاه مجتمعه من نشر علمي بصدد القضايا المجتمعية المحيطة، و تأدية للدور الأكاديمي بالصورة المهنية والأخلاقية.

أن تكون أستاذاً جامعياً ليس تشريفاً، بقدر ما هي تكليف ومسؤولية أخلاقية وعلمية في غاية الحساسية، لكن من الملاحظ في كثير من الجامعات أن مكانة الأستاذ الجامعي تحولت لتمظهر اجتماعي أكثر من كونها وظيفة بحثية فكرية بالدرجة الأولى، مرجوء منها إنشاء جيل يعرف كيف يفكر؛ كيف يبدع، كيف يساعد في سياسات التنمية المستدامة. لذا من خلال هذا المقال يمكن أن نلقي الضوء على أهم الأدوار الرئيسة للأستاذ الجامعي:

أولاً: أن تكون عضو هيئة تدريس، يعني أن تقرأ بصورة شبه دورية في المجال وغير المجال من المصادر المختلفة لاسيما الدوريات العلمية والكتب وغيره من الأوعية المعلوماتية. الأستاذ الذي لا يقرأ؛ فقط يمارس عملية تسطيح وتقزيم علمية وفكرية في كثير من الأحايين غير واعي بها لجهل ما يقوم به. لذا نجد الكثير من الطلاب عاجزين عن التفكير خارج أسوار “ملخص المادة الأكاديمية المعينة Sheet” وذلك لعدم أهلية القدرة التفكيرية لربان سفينة العملية التعليمة، لأن القراءة ترفد العقل بالكثير والمثير من الأفكار الإبداعية التي تنعكس بدورها على نمط التفكير بصورة عامة وعلى ملكة التفكير النقدي (The Critical Thinking  ) بصورة خاصة.

ثانياً: النشر العلمي المحلي والعالمي في الدوريات والمجلات والمشاركة في المؤتمرات يعد أحد العمليات الجوهرية للأستاذ الجامعي، فالأستاذ في الأساس باحث لا يقتصر دوره على إلقاء المحاضرات الأكاديمية فقط؛ لأن أي شخص فى المجال يمتلك حداً أدنى من مهارات الإلقاء يمكن أن تؤدى المحاضرة بهذه الطريقة!، أما السؤال الجوهري هو: ما الذي يجعلك مميزاً دون إلقاء المحاضرات الأكاديمية؟! فقط ما يجعلك مختلف ونوعي على الآخرين هو النشر العلمي والمشاركات في المؤتمرات والمحافل العلمية العالمية والمحلية، وهذا بدوره ينعكس بصورة مباشرة على التصنيف العلمي العالمي للمؤسسة التعليمية التي تعمل بها. بل في بعض الجامعات العالمية تقييمها لهيئة تدريسها ليس بالدرجة العلمية؛ بل بكم عدد الأوراق والأبحاث والدراسات التي تم نشرها في السنة.

ثالثا: الأستاذ الجامعي لا يحتفي بالدرجة/ اللقب العلمي الذي حصل عليه (محاضر، دكتور، بروفيسور) بقدر ما يكون أشد احتفالاً بما ينتجه من معرفة أو إسهامات اجتماعية ملحوظة، نحن لا نعرف ما هو اللقب العلمي للعالم ألبرت أنشتاين ولا توماس أديسون، ولا شومسكي ولا سيجموند فرويد ولا جاك لاكان ولا… والقائمة تطول؛ بل كل ما نعرفه هو إنتاجهم العلمي والفكري الذي غيّر في كثير من الأحيان مجرى الحياة أو طرائق التفكير بصورة جذرية للشعوب. علماء صوت إنجازاتهم كان أعلى بكثير من صوت درجاتهم العلمية بل هم أنفسهم أضافوا للقب العلمي أكثر مما أضاف لهم!. الافتخار المفرط للأستاذ بلقبه العلمي أكثر من أي شيء أخر قد يعطل الوظيفة الدينامية الأساسية للأستاذ الجامعي وتقدم صورة جوفاء (فارغة المحتوى) للدرجة العلمية.

رابعاً: الاهتمام بالجانب المهاري والشخصي للطالب، حيث لا يقتصر دور الأستاذ فقط في توصيل المعلومة الأكاديمية؛ بل الاهتمام بتنمية مهارات وقدرات الطلاب واكتساب المواهب التي تخدم العملية التعليمية وذلك بتحفيزها لصقلها ولتفتيح مسارات جديدة للتفكير بصورة مختلفة. كل ذلك يتأتى بعمل الأنشطة المصاحبة من جمعيات وندوات ومحاضرات وغيره من الأنشطة العلمية والفكرية والثقافية، وكل ذلك يدخل ضمن تقييم الطلاب لأدائهم في العملية الأكاديمية آخر العام.

خامساً: الأخلاقية والمسؤولية تُعد من السمات الحتمية للأستاذ الجامعي. أن تتحلى بالأخلاق تجاه طلابك وذلك بالعمل الجاد لإعطاء أفضل ما لديك، و أن تشعر أيضاً بالمسؤولية تجاه مجتمعك وذلك بأن تكون فاعلاً ومتفاعلاً مع المعطيات والظواهر الاجتماعية المحيطة بك بالأدوات العلمية (البحث العلمي). فقبل أن يقبل الفرد بأن يكون أستاذاً جامعياً؛ عليه أن يطرح هذا السؤال على نفسه: هل لدي القدرة والرغبة للقيام بمهام الأستاذ الجامعي الجامعي أم لا؟! فإذا كانت أجابتك بـ(لا) فالأخلاق تأمرك أن تترك المجال لمن هو أهلاً له وراغب في القيام بأمره، فالأمر ما كان ولم يكن يوم من الأيام وظيفة (مهنية) مجردة بل الأحرى هي مسؤولية أخلاقية أمام العلم والمجتمع، فإن لم تؤديها كما يجب تكون حرمت مئات الشباب من الفائدة العملية والعلمية.

سادساً: التطوير الذاتي والمواكبة، لسرعة وتيرة القرن الحادي والعشرين أطلق عليه الكثير عصر السرعة (Speed Age)، كل شيء متسارع: الاكتشافات العلمية والتكنولوجية والنظريات والفلسفات وغيره؛ فما لم يواكب الأستاذ الجامعي ولو الحد الأدنى من زحف الحركة العلمية متصاعدة السرعة، سوف يخلق هوة حقيقية بينه وبين العلم الحديث فيبقى أستاذاً في القرن الحادي والعشرين بأدوات من العصر الحجري (Stone Age) فتنتفي صلاحية ما يلقنه من معلومات لطلابه، وبدون وعي أو وعي منه يمارس عملية تجهيل يومية لطلابه وذلك لغفلته للمواكبة العلمية.

سابعاً: الأستاذ الجامعي لحد بعيد هو مشروع للاستنارة وإشعال جذوة الفكر والتفكير، لذا نجد الأستاذ الحقيقي مهموم بقضايا وطنه الكبير ووطنه الصغير (الجامعة) بل البعض منهم مهموم بقضايا الكون الكبرى (الأستاذ المفكر والفيلسوف).

كل ما ذكر آنفاً يُعتقد أنه من الركائز المهمة بل الضرورية لإثراء العملية التعليمية ومن ثم المجتمع بأسره. قد يتسأل أحد: هل حري بي أن اتصف بكل ما سلف ذكره حتى أكون أستاذاً جامعياً؟ فالأمر نسبي فليس بالضرورة كلها بل جُلها أو الحد المناسب منها. أخيراً أربأ بنفسي أولاً وزملائي الأساتذة الجامعيين الأجلاء أن نفعل قدر استطاعتنا لتحقيق الهدف السامي للأستاذ الجامعي.

محاضر بكلية التربية، قسم علم النفس التطبيقي- حنتوب.

البريد الإلكتروني: Mustafa.suliman33@gmail.com.

ت: 0915578539.

Leave A Reply

Your email address will not be published.