فقه العلم

0 73

أ.د. عبد الله محمد الامين

الاهتمام بالواقع وغلبة هاجس المصير على الأفئدة والعقول مدخلان أساسيان لبناء المستقبل، ولا أحد يستطيع أن ينكر علاقة العلم بالواقع؛ إذ إنّ “التحديد المعياري الوظيفي للعلم عند المفكرين ينحصر في قدرة العلم على تحديد الحقيقة، وقدرته على حل المشكلات وفعاليته في تحقيق الجديد وتغيير الأوضاع والانتقال بها نحو الأفضل؛ ومن ثمّ فإنّ العلم يعتبر أصلاً من أصول القوة، والتفوق فيه واحتكاره هو تفوق في أصل القوة واحتكار أسراره هو احتكار أسرار القوة، والتفوق في توظيفه بمهارة هو التفوق في استغلال القوة بمهارة ” (العمارى : نظرية الاستعداد، ص2، ص97 وما بعدها) فلا بقاء في العالم ولا هيمنة عليه -إذن – إلاّ بتوظيف العلم لا سيما العلوم الطبيعية؛ فحسن توظيفها هو الذي يحدِّد موازين القوى. وتأسيساً على ذلك نستطيع أن نفهم أسباب تخلُّفنا وقعودنا عن أداء دورنا في الشَّهادة على النّاس والقيادة لهم.

 إنّ أنظمة التعليم في العالم الإسلامي المعاصر- دينية كانت أم علمانية- أنظمة عقيمة شلّت قدرة الإنسان عن التفكير والإبداع؛ وأفرزت أجيالاً من الغرباء الذين لا يعيشون هموم الأمة ولا يفقهون واقعها، ومن ثم غابت رسالية العلم والعلماء على حدٍ سواء، وصارت الشّهادات العلمية وسيلة للتباهي لا حافزاً ودافعاً للعطاء والإبداع. وخير دليل على ما نقول هو هذه الندرة في الإنتاج العلمي مع الوفرة في حاملي الدكتوراه. وهذه حالة بالغة الخطورة من حالات انعدام الوزن لجامعات العالم الإسلامي. وهي كذلك حالة من حالات قبض العلم وآية من آيات تراجع الخير وتقدُّم الشَّر “حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا (البخاري، ح100،مسلم، ح2673،.مسند أحمد،ح6511).

وهذه الرؤوس الجهال التي تفتي بغير علم هي الآن ظاهرة من ظواهر حياتنا العلمية والثقافية؛ لأنّه إذا انعدمت الخشية قلّ الورع ومن المعلوم “أن أول ما يرفع من العلم الخشوع “(ابن حبان ، ح 4572، الترمذي ح2653، مسند أحمد، ح24036،)

 ومعلوم أيضاً أنه ليس من فصل بين التقوى وتحصيل العلم النافع واستيعابه )وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)(سورة البقرة،آية282).

لقد صار العلم ومؤسساته من أضعف الحصون التي تؤُتى من قِبلها الأمة، وما ذلك إلا لغياب الدور الوظيفي للعلم في عقلية من يخططون؛ كما يرجع ذلك أيضاً للتدمير الذي لحق بمؤسسات التعليم الذي تمّ تسييسه ليخدم السُّلطة والسُّلطان حيث صار الولاء مقدماً على الكفاءة؛ فتردت العملية التعليمية وتشرّدت كفاءات العالم الإسلامي؛ فمن هاجر للغرب نبغ وصار بعلمه عوناً لعدونا؛ ومن بقى ضاقت عليه الأرض بما رحبت.

إنّ الخاسر- من تراجع العلم ودوره ومن تغييب العلماء أو انسحاب دورهم في المجتمع – هو الأمة بمجموعها لا أفراداً منها قلائل؛ ذلك أنّ العلم هو بمثابة القلب الذي يضخ الدماء في شرايين الأمة؛ فإذا ما اعتل هذا القلب أو توقف انشلت قدرة الأمة وضعفت مناعتها عن المقاومة والمدافعة. ومما لا شك فيه أنّ جماعة العلماء هم طائفة في جسم الأمة يدعون إلى الخير؛ فإذا غابوا أو انسحبوا انعدم الخير واستفحل الشَّر.

إنّ مشكلة الأمة الجوهرية– وإشكالية العلم والعلماء جزء منها- تكمن في الإداري القائد، فما من مشكلة تشكو الأمة منها إلا والإداري القائد قد تسبّب فيها حيث ابتلى الله هذه الأمة بولاة لا يعرفون للولاية العامة حرمة؛ ولا يرعونها حق رعايتها، فلم يستأجروا القوي الأمين بل استأجروا ابن الجهة وابن القبيلة وابن الحزب؛ دون مراعاة لشرط الكفاءة والقوة والأمانة، وهذا إنما يعني أنّ المصلحة العامة –مصلحة الأمة – غائبة عن الوعي. ومن المفارقات أنه بعد كل هذا ترى القادة يتباكون على واقع الأمة وهوانها على الناس بينما هم سبب أساس في شقائها وتعاستها.

إنّ إصلاح واقع الأمة لن يتم إلا بإصلاح النظام التعليمي والعناية بمؤسساته، وبتعبير أدق فإنّ إصلاح واقع الأمة لن يتم إلا بإصلاح أمر الجامعات باعتبارها مؤسسات لتفريخ العلماء وإنتاج العلم. وإنّ أول ما ينبغي على الجامعة فعله هو إعادة صياغة فلسفتها ودورها في المجتمع، وهذه الفلسفة المصوغة ينبغي أن تنبثق من صميم معتقد مجتمعها الإسلامي، وذلك الدور ينبغي أن يكون هو الآخر دعوة إلى الخير، والدعوة إلى الخير جهاد، والجهاد مراتب وله وسائل، ومن ضمنها إعداد القوة لضمان البقاء ولا يتم هذا البقاء إلا باحتكار القوة والتطوُّر بتلك القوة والهيمنة العالمية وشمولية هذه الهيمنة واستمراريتها عن طريق تطوير الأنظمة وتقنيات المدافعة الحضارية، وهذه كلها تقع على عاتق الجامعات لأنّها– كما  أسلفنا– مؤسسات لتفريخ العلماء وإنتاج العلم.

إنّ نهايات القرن العشرين قد “تجاوزت مرحلة الانبهار والافتتان بالعلم إلى حسن تشغيله وتوظيفه؛ غير أننا في العالم الإسلامي مازلنا نعاني المشكلة المنهجية، فالعلوم الإنسانية على سبيل المثال ما زالت معزولة – بحجة الحياد العلمي– عن واقعها الحضاري ومتطلباته وأهدافه ( د.يمنى طريف: فلسفة العلم في القرن العشرين ص461)؛ كما أنّ هناك ثمة انفصال بين العلوم الإنسانية والعلوم الشّرعية على الرغم من أنه ليس ثمة فصل – في الإسلام – بين ما هو ديني وما هو دنيوي.

تلك القضايا تدخل بجملتها في صميم المشكلة المنهجية التي نعانيها، وحيث إنّ من بين العلماء من يدركون وجود هذه المشكلة وحجمها ويسعون إلى وضع المعالجات لها فإنّ هذا يمثِّل- في حد ذاته- خطوة صحيحة لتغيير الواقع بالعلم. وليس عبثاً أن تكون أول آيات القرآن نزولاً دعوة للقراءة وحضّاً عليها. ومن ثمّ فليس عبثاً أيضاً أن نخصِّص هذه المقالة للحديث عن العلم والعلماء وعن الجامعة كمؤسسة حاضنة للعلم والعلماء. وحيث إننا لا نسعى لتكرير ما ذكرناه آنفاً فإننا نؤكِّد جملة من المسلمات تتلخص في أنّ الأزمة التي تعاني الأمة منها هي في صميمها أزمة فكرية؛ وأنّ المؤسّسات العلمية بعلمائها تتحمل وزر استفحال هذه الأزمة. وأنّ الإصلاح وسبله يبدأ من الجامعة لأنّ الجامعة هي التي تفرِّخ العلماء، والعلماء هم الذين يدعون إلى الخير، وهم الذين يقاومون الشر، ولذلك فهم في حقيقة الأمر– وليس السلطان – الموجِّه والمرشد لآحاد الأمة وعمومها بما فيهم السلاطين. وثمة مسألة جديرة بالاهتمام وهي أنه إذا كان التحديد المعياري والوظيفي للعلم عند المفكرين يتمثَّل في قدرة العلم على تحديد الحقيقة وقدرته على حل المشكلات وفعاليته في تحقيق الجديد وتغيير الأوضاع والانتقال بها نحو الأفضل؛ فلا أحد يستطيع– إذن– أن ينكر علاقة العلم بالواقع. غير أنّ الناظر لفلسفة العلم ووظيفته في العالم الإسلامي يلاحظ انعزال العلم عن الواقع وترفُّع العالِم عن مناقشة قضايا الأمة الدنيوية والأخروية، وصار العلم هو التنظير البارد الذي لا يخدم قضايا الأمة الدنيوية والأخروية، وصار اللاعلم هو مناقشة قضايا الواقع المعيش؛ وهذا الفهم المغلوط والمغشوش هو المسؤول الآن عن هذا الواقع التعيس الذي تحياه الأمة.

ومن المعلوم أنّ السلَّف من علماء الأمة لم ينعزلوا عن واقع مجتمعاتهم حيث شاركوا في الحياة العملية للأمة بأتراحها وأفراحها وجاهدوا في الله حق جهاده بالقلم واللِّسان والسِّنان؛ وخير مثال لهؤلاء العلماء شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن المبارك المجاهد الذي عاب على الفضيل بن عيّاض عكوفه على العبادة في الحرم في الوقت الذي كانت فيه حصون الأمة وثغورها مهدّدة بخيل العدو، وذلك في قصيدة طويلة مطلعها:

يا عابد الحرمين لو أبصرتنا             لعلمت أنّك بالعبادة تلعب

وقد أورد عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين هذا الشاهد في كتاب “شرح عمدة الأحكام”.

ولا نريد هنا أن نقول لعلماء الأمة انفروا جميعاً لساحات الوغى في افغانستان والشِّيشان والعراق وفلسطين والسُّودان لأنّ الحصون والثغور مهددة، وإنما نريد أن نقول: أنّ من لم يستطع من العلماء فعل ذلك فعليه تسخير علمه لخدمة قضايا أمته وهي تواجه هذه المحن والنوازل؛ ومن لم يستطع فعل ذلك أيضاً فعليه أن لا يشغل الأمة بسفاسف الأمور ويلهيها عن مواجهة عدوها وهو عدو ظاهر لا تخطئه العين. وخلاصة القول أنّه لا خير في علم عالِم لا تستفيد الأمة من علمه في معالجة مشكلات واقعها وتصحيح أخطاء ماضيها وتصويب وجهتها استشرافاً لمستقبلها.

قد نتفق أو نختلف في جملة ما هو مطروح لكن ما ينبغي أن نتفق عليه هو انحسار دور العلماء وانسحابهم عن الواقع وعن التأثير فيه إما إيثاراً للسلامة وخوفاً من الملامة أو تكاسلاً أو تغييباً متعمداً أو خلافه.. وفي كل الأحوال فقد افتقدت الأمة العالم الرسالي الذي يضع نصب عينيه هموم الأمة وآلامها فيحنو عليها حنو الناقة على الفصيل، ولعل ما أثرناه يكون حافزاً لجماعة العلماء لإعادة قراءة الذات واكتشافها من جديد سعياً لاستعادة دورهم في الحياة الإسلامية.

Leave A Reply

Your email address will not be published.