فقه الواقع

0 107

أ.د. عبدالله محمد الأمين النعيم

مع مفتتح القرن الحادي والعشرين دخل العالم الألفية الثالثة تقود مسيرته فلسفات نهاية التاريخ وصدام الحضارات والعولمة، وكلها فلسفات دنيوية– مغلَفة بالدِّين إلى حدٍ ماِ- تسعى لتكريس ثقافة الغرب وقيمه، بينما الخطاب الإسلامي المعاصر ما زال حبيس النظرة الماضوية منعزلاً بذلك عن تشكيل واقع العالم، وهو، أي تشكيل واقع العالم ومستقبله ذات المهمة التي كلّف الله سبحانه وتعالى بها الأمة الإسلامية  بحكم ختم النبوة  لتكون الشهيدة على الناس والقائدة لهم نحو قيم الحق والخير.

إنّ من المعلوم أنّ الشاهد “هو الحاضر في عالم الآخرين والصفة الأولى المكتسبة لإثبات قيمة أي شهادة هي حضور الشاهد ومنذئذٍ إذا كان متعيَّناً على المسلم أن يقوم بالدّور الملقى على عاتقه في الآية “لتكونوا شهداء على الناس” فهو مجبر على الحياة في اتصال وثيق بأكبر عدد من الذوات البشرية ومشاكلها كذلك. ومن ثم يتعيَّن على حضوره أنْ يعانق أقصى حد ممكن في المكان لكي تعانق شهادته أقصى كم ممكن من الوقائع. وعلاوة على ذلك فإنّ المسلم في هذه الحالة ليس صاحب دور سلبي محض إذ أنَ حضوره نفسه يؤثر على الأشياء وعلى أعمال الآخرين… فعندما يكون الشاهد حاضراً يمكن لحضوره فحسب أن يغيِّر من سير الأحداث وأن يجنِّب الوقوع في المحظور. وعلى هذا فإنّ رسالة المسلم في عالم الآخرين لا تتمثل في ملاحظة الوقائع ولكن في تبديل مجرى الأحداث بردها إلى اتجاه الخير ما استطاع إلى ذلك سبيلاً ” من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان” فهذا الحديث يضبط درجات الشهادة الثلاث، والدرجة الثالثة تمثَل الحضور المحض التي يصفها الحديث بأضعف الإيمان. ليس حضور المسلم بالسلبية المحضة ففي تثبيت الوقائع الباطني يوجد الدليل الكافي على حضور المسلم في عالم الآخرين ليس فحسب بل في دائرة مصالحه ومشاكله الذاتية كمواطن وكعقدي ويكون في الدوائر الأخرى كمجرد إنسان” (مالك بن بني : فكرة كمنويلث إسلامي، ترجمة الطيب الشريف 72-73)

والشَّهادة على الناس هي في حقيقتها خروج بالدّعوة إلى رحاب العالمية وعلى هذا فهي تقتضي المدافعة مع الباطل من أجل البقاء” والبقاء هو الانتصار المطلق والهيمنة المطلقة” (أحمد العماري: نظرية الاستعداد، ص62.)  فالحركة التاريخية – إذن – لا تتحكم فيها معادلة القوة والضعف فقط” بل تتحكم فيها كذلك معادلة الحق والباطل، فالقوة والضعف يتولّد عنهما الصراع والحق والباطل يتولّد عنهما التدافع ولذلك فالحركة التاريخية إما صراع وإما تدافع فإذا تغلّب الصراع على الحركة التاريخية دلّ ذلك على طغيان الباطل وإذا تغلّب التدافع دلّ ذلك على ظهور الحق وانتعاشه واقبال بشائر الخير على البشرية والتدافع يقوم على خلفية نفعية وأطماع مادية. وبناءً على ذلك فإنّ من نتائج تحقيق الأمة الإسلامية للشّهادة هو أن يكون لها حرمتها في العالم ” بحيث يخافهم من عاداهم من الأمم في الأرض التي لم تدخل تحت حكمهم ويسعون الجهد في مرضاتهم ومسالمتهم ” (ابن عاشور تفسير التحرير والتنوير ،ج18،ص682 .).

الشَّهادة – إذن – هي حضور الإسلام في العالم، وهذا الحضور يتجسَّد في الواقع حينما تتحقق شهادة الإسلام على غيره من النماذج والأنساق المعرفية، إذ أنّ الشهادة بجميع معانيها ينتج عنها نموذج يستبطن قيم التوحيد والربوبية. والشَّهادة في ضوء ما سبق تتلخص في الآتي (عبد الله محمد الأمين ، التمكين الحضاري في المنظور القرآني ص214)

أولاً: العلم بالحق الذي هو الإسلام لأنّ من لم يكن عالماً بالشئ لا يكون شاهداً

ثانياً : تبليغ الحق وتبيينه للآخرين.

ثالثاً : إظهار الحق على الباطل ولو كره المشركون والكافرون. وهذا هو غاية البلاغ المبين )هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ( (سورة التوبة ، آية 33، والصف آية 9.) .

وهذه هي مقتضيات الشهادة أي التفاعل الحضاري بما فيه من مثاقفة ومدافعة وانفتاح على الآخر، “والقرآن الكريم باعتباره الكتاب الخاتم وضع الأساس لهذا التفاعل فاسترجع كافة الموروث الرُّوحي للبشرية بمنطق التصديق ثم عالجه وأعاد قراءته بمنطق الهيمنة، وهذا يعني الاستيعاب الإيجابي لثقافات البشرية ومن ثم يتجاوزها ليسمو بها، فختم النبوة هو الذي جعل من الخطاب الإسلامي خطاباً عالمياً ناسخاً لشرائع الأصر والأغلال التي تميزَ بها الخطاب الحصري للشعوب والأقوام السابقة للإسلام” (أبو القاسم حاج حمد : منهجية القرآن المعرفية)

إنّ انتصار النموذج الدنيوي– المغلّف بالدّين إلى حد ما– وسيادته على العالم اليوم يعني ضمناً عجز الأمة الإسلامية عن حمل أمانة التكليف وانعدام فاعليتها؛ ويرجع ذلك العجز وانعدام الفاعلية بين الأمم للآتي:

أولاً: الفصل بين الدّين والدّنيا نتيجة للخلل في تصور مفهوم الإيمان، وهذا أدى للاهتمام بإصلاح الباطن دون أن يتجاوز ذلك إلى الواقع الخارجي؛ فأهملت عمارة الكون وتسخير موجوداته التي جعلها الله في خدمة الإنسان لتعينه على تحقيق عبوديته. ولا شك أن في ذلك إهمالاً للوسائل وعلومها.

ثانياً: القطيعة بين الشّريعة والواقع، حيث تمّ تحجيم دور الشريعة في توجيه حركة الواقع؛ وذلك بتأثير الإرث الاستعماري. وليس ذلك فحسب بل إنّ تلك الدول التي أخذت بأحكام الشريعة نفسها قد واجهت مشاكلها بحلول جزئية دون أن تأخذ أحكام الشريعة ككل فتولد عن ذلك التناقض في بنيتها.

ثالثاً: غياب الفقه بأحكام الشِّريعة والواقع؛ فلقد تولّد عن غياب الفقه بالشَّريعة وشمول أحكامها ورعايتها لمصالح الناس في المعاش والمعاد تكييف الواقع الإسلامي وتطويعه ليسير وفق مقولات النموذج المعرفي الدنيوي. ولقد تولّد أيضاً عن غياب ارتباط الفقه بالواقع انعدام التخطيط وتحديد الأولويات في العمل الإسلامي.

إنّ معالجة مشكلات الواقع الإسلامي تتم الآن بطريقة لا تؤدي إلى نهوض حضاري حقيقي؛ وإنما تؤدي لمزيدٍ من الدمار، حيث تتم معالجته الآن وفق منظومتين، منظومة إسلامية منكفئة على الذات مهملة لمهمتها في تغيير واقع العالم، ومنظومة معرفية غربية منفتحة على عالم الشهادة؛ ملغية لعالم الغيب. فكيف- إذن- يستطيع الخطاب الإسلامي المعاصر إعادة تشكيل العقل المسلم حتى يمكن للأمة أن تقوم بواجبها نحو الناس بالشهادة عليهم والقيادة لهم في عالم لا يحترم شيئاً غير القوة ومنطقها ؟!

لقد تمّ تغييب عقل الأمة عن المهمة الأساس، وهي مهمة إصلاح العالم والهداية بالحق والعدل به؛ فانحسر لذلك ميدان تدافعها بين الأمم؛ إذ أنّ تلك المهمة تقتضي أن تكون الأمة في موقف القوي؛ لأنّ الضعيف لا يستطيع إقامة العدل بحال (مصطفى كمال وصفي : النبي (صلى الله عليه وسلم) والسياسة الدولية ص6-7) . وإعداد القوة لا ينافي مبادئ عدم الإكراه في الدين ولا التعارف والحوار والمثاقفة بين الأمم ؛ إذ أن الإسلام لا يصنِّف الناس في دائرة العدو المؤبد.

وعلى الرَّغم من انطفاء فاعلية الأمة إلاّ أنّ الإسلام اليوم حاضر في الفلسفات التي تقود العالم سواء كانت نهاية التاريخ أو صدام الحضارات أو العولمة- وهو المصنف في دائرة العدو- فكيف إذاً يستطيع الإسلام أن يتعامل مع الواقع العالمي الذي يتغير بوتائر سريعة؟ وكيف يساهم في معالجة مشكلات هذا العالم المأزوم ؟! .

إننا نؤكّد أنّ الخطاب الإسلامي يمكنه تقديم الكثير من الحلول والمعالجات لمشكلات الواقع العالمي؛ لكن قبل ذلك ينبغي إصلاح الواقع الإسلامي نفسه ونؤكّد هنا على جملة من الحقائق:

أولاً: إنّ أي تغيير ناجح في عالم الشهادة لابد أن يبدأ من تغيير عالم الأنفس، وهذا لن يتحقق إلاّ من خلال المنظومة الإيمانية التي تنبثق كلها عن عقيدة الإيمان بالله وتوحيده.

ثانياً: إنّ فاعلية الأمة لن تتحقق إلاّ من خلال تسخير السنن الإلهية والدخول في نظام المعاصرة والتحديث؛ لأن هذا هو الحذر الحقيقي في التعامل مع الآخر.

ثالثاً: إنّ أي حركة لإعادة البناء والنهوض لابد أن تضع في حسبانها الفقه بمراتب الأحكام والفقه بالواقع الذي يستهدفه العمل الإسلامي.

ومهما يكن من أمر فإنّ عالمية الإسلام تبدأ من فهم خصائصه المتضمنة لعالمية الخطاب المستوعب والمتجاوز لإشكاليات كافة الأنساق الحضارية. وهذا الفهم للخطاب الإسلامي الإلهي يعتبر شرطاً من شروط البلاغ المبين حيث أنه لكي يحقِّق المسلمون بلاغاً مبيناً وهادياً في مستوى التحدي العالمي فلابد من التحقٌّق ببعض الشروط الأساسية منها (برغوث عبد العزيز : المنهج النبوي والتغير الحضاري ،  ص45- 55.)

أولاً: الفهم العميق لخطاب الله في مذهبيته ورسالته الاستخلافية ” مرحلة فهم الخطاب الإلهي” .

ثانياً: الفهم العميق لسُّنة النبي (صلى الله عليه وسلم) وفلسفته في البلاغ المبين ومنهاجه في الهداية ومنهجه في تطبيق الإسلام وبنائه واقعياً” مرحلة النموذج التطبيقي” .

ثالثاً : “الفهم المستوعب للسنن الإلهية التكوينية والتاريخية التي تتحكم في البلاغ المبين ” مرحلة السَّير في الأرض والوعي السُّنني” .

رابعاً : الفهم العميق لطبائع المراحل الحضارية التي مرّت وتمر بها البشرية” مرحلة فقه العمر الحضاري للإنسانية ” .

خامساً : الفهم المستوعب للواقع المحلي والعالمي في تركيبته وبنائه وتاريخه.

سادساً : الفهم العميق لمنهاج بناء البلاغ المبين في الواقع الحياتي للناس.

لقد تناسى المسلمون غاية وجودهم وأهملوا تبعاً لذلك علوم الوسائل التي تحقّق غاياتهم التي حدّد معالمها القرآن الكريم والسّنة النبوية، غير أنّ الطامة الكبرى أن تتناسى الجماعات الإسلامية تلك الغايات وتنكفئ على ذاتها وتنكمش داخل قطرها وإن تحرّك بعضها فإنه لم يأتِ من وراء حركته خيراً بل الشر وعظائم الأمور لانعدام التخطيط والفقه بالواقع. وهذا الواقع متغير وتغيّره يتم بوتائر سريعة يتطلب من الجماعات الإسلامية وأهل الاجتهاد فيها بمختلف تخصصاتهم أن يستوعبوه وأن يستوعبوا فقه النوازل، ذلك أن من شروط الفتوى الفقه بالشريعة والفقه بالواقع، وهذا الواقع كما أسلفنا في تطور وتغيّر. ولا يمكن بأي حال استسلام الأمة بعلمائها لقبول الأمر الواقع المفروض من أعدائها بل ينبغي الاجتهاد للتعامل مع نوازل العصر ومستجداته، وهذا الفعل هو الاستجابة الحقيقية للنداء الإلهي.” خذو حذركم” ، ” واعدوا لهم ما استطعم” ، ” ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الأعلون” وغيرها من النداءات الإلهية التي هدفت إلى تربية الأمة وتشكيل عقول أفرادها بمفاهيم جديدة تكون منارات وعلامات لأساليب المدافعة والمنافسة مع الآخر بقصد هدايته وحمل قيم الخير له من أجل صلاح العالم حتى تتحقق عبودية الناس لله الواحد القهار وهي غاية خلق الناس، أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ” والله هو غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون”، ” والله متم نوره ولو كره الكافرون”.

Leave A Reply

Your email address will not be published.