«نيوستارت» تسترجع ذاكرة «الحب الجميل» مع شاعر أغنية «السمحة قالوا مُرحّله»

0 80

التقاه: ود أبو حامد

*** مقدمة:

جمعتنا به قهوة مسائية بمنطقة «العيكورة»- على غير ميعاد سبق- إذ حدثنا عنه؛ ودلنا عليه قريب له بالمنطقة، فأبدينا موافقتنا سريعاً على اللقاء بالرجل. جاء إلينا يحمل قصاصات ورقية، وصحف، تثبت أبوته لأغنية «السمحة قالوا مُرحّلة»، جلسنا إليه واسترجعنا معه ذكريات «الحب الجميل»، فأخرج لنا من جعبته بوحاً جميلاً كشف عن ملامح شاعر يأسره الجمال، وتتملكه العاطفة. شاعر ألهمته معشوقته التي رآها مرة واحدة في حياته، ولم يتحدث إليها؛ فكتب فيها «17» أغنية ملحنة. إنه الشاعر أحمد عباس «ود العيكورة».

*** الميلاد والنشأة:

الشاعر خالد عباس «ود العيكورة»، من مواليد 1937م، اقتصرت مسيرته التعليمية على المرحلة الابتدائية التي التحق بها في العام 1950م، وكانت الابتدائية آنذاك تقف على أساس متين وقاعدة صلبة، وقد عاصر «ود العيكورة» خلال تلك الفترة الأستاذ أحمد علي طه، والأستاذ «أبو شلعة» من منطقة الحلاوين والذي كان ضليعاً في اللغة العربية، فتعلم ووعى على يده الكثير من العلوم.

*** حب خاص للشعر:

ونشأ الشاعر خالد عباس «ود العيكورة» على حب الشعر، وزاد تعلقه به من خلال الحصص الخاصة للأستاذ «أبو شلعة» كل خميس، حيث كان يلقي عليهم قصيدة ويطالبهم- مشجعاً- بالسؤال عن أي كلمة عربية غير واضحة المعنى. فتشبعت حواس «ود العيكورة» بالشعر، وبدأ يكتب في حلقات الدرس المسائية، وينشد فيها الأشعار. ومع دوران الأيام وتعاقب الشهور والسنوات، تنامت الملكة الشعرية عند «ود العيكورة» الذي لم تتجاوز مسيرته التعليمية الأربع سنوات حيث كان الاختيار يقع على الطلاب- كبار السن- للترقي في سلم التعليم والالتحاق بالمدرسة الوسطى بالمسلمية التي تعج بطلاب أكثر من «20» قرية.

*** مواصلة مسيرة التعليم:

ولم تمثل الفرصة الضيقة للتعليم، والالتحاق بأحد مكاتب الحكومة بمدينة الحصاحيصا، عند «ود العيكورة» نهاية المطاف، فسلك طريقاً آخر يلتمس فيه مواصلة مسيرته التعليمية؛ حيث كان يتردد على المكتبة لإحضار الجرائد والكتب ويقتنص ساعة يومياً لمطالعة الصحف والمجلات المصرية. وأعانه على هذا الأمر أربعة جنيهات ونصف كان يتقاضاها كأجر في العمل، ويخصص نصفها لاقتناء الكتب والمجلات المصرية، والأدب العربي، ومقررات الثانوية العليا.

*** ليلة القبعة والكتابة لمجلة الإذاعة:

ود العيكورة

وكان «ود العيكورة» في ذلك الوقت يتردد على مدرسة الحصاحيصا الثانوية لحضور ليلة القبعة، حيث يسمح له طلاب قريته بالمشاركة في هذه الليلة بفضل ما اكتسبه من الكتب، والتثقيف الذاتي. وبدأ «ود العيكورة» يكتب الشعر الغنائي، ويكتب- دون اسم- لمجلة الإذاعة التي كان يحررها المبارك إبراهيم. واستمر «ود العيكورة» في ذلك لنحو سبع سنوات كان يأخذ خلالها رأي المبارك فيما يكتب من شعر مختلف الضروب فاتسعت مداركه وتمكن منه. وعرج «ود العيكورة»- في الستينات- على كتابة المسلسلات الإذاعية، وساعده علمه بأهداف «التعاون» على كتابة تمثيليات لبرنامج «التعاون في خدمة الشعب» كان يتقاضى عليها «12» جنيهاً في الشهر. وقد بعث له مدير مصلحة التعاون في ذلك الوقت «الفاتح يوسف» أول مدير سوداني بعد «حسن أحمد عثمان» خطاب شكر، وداعبه بالقول: «إن حديثك عن التعاون وأهدافه ومعلوماتك عنه لا يملكها مفتش التعاون نفسه».

*** الانضمام لفرقة «العيكورة» الغنائية واقتناء آلة «العود»:

وانضم الشاعر خالد عباس لجماعة فنية بقريته «العيكورة» على رأسها المغني «إبراهيم الدباسي» كانت تجتمع كل خميس لإحياء الحفلات الغنائية بالصفقة، والطبل، والرق. واتجه «ود العيكورة» أثناء فترة تواجده بالحصاحيصا لتعلم آله العود وتطلب منه الأمر الذهاب لود مدني مذعناً لنصيحة أحدهم- «عوض»- بضرورة اقتناء هذه الآلة إذا كان راغباً في التعلم. واضطر «ود العيكورة» لدفع «6» جنيهات لـ«يوسف صقير» ثمناً لآلة «العود» بعد أن وفر هذا المبلغ في مدى زمني بلغ الأربعة أشهر. وتحقق لود «العيكورة» ما أراد من تعلم آلة «العود» فكان يكتب الشعر ويلحنه وهو في السابعة عشر من العمر، وتغير بذلك مجرى الحفلات التي كان يحيها ود «العيكورة» إلي الغناء بالعود.  واشترى «ود العيكورة» آلة موسيقية وتعلم عليها العزف. وأحدثت أغانيه الخاصة تأثيراً شديداً في القرى المجاورة وتناقلتها الألسن وانتشرت في رقعة واسعة.

*** انتشار أغنية «السمحة نوارة فريقنا» ووصولها للإذاعة:

ويذكر «ود العيكورة» أنه ذهب لقرية «ود الهندي» قادماً إليها من مكان إقامته إذ ذاك بالحصاحيصا حيث غنى رائعته «السمحة نوارة فريقنا» بآلة العود. وكانت كل فتاة في تلك الحفلة تطالب بأداء هذه الأغنية كشرط موافقة على طلب المثول أمام حلقة الرقص. واضطر «ود العيكورة» حيال ذلك الأمر إلى تكرار الأغنية لأكثر من «6» مرات انتهت عليها الحفلة التي استمرت حتى الصباح. وقد انتشرت أغنية «السمحة نوارة فريقنا» وانتقلت سريعاً عبر المدن والأرياف حتى وصلت الإذاعة وجرى تسجيلها بواسطة المغني «إبراهيم الدباسي» قبل أن يتم سحبها وانتقالها إلي الفنان الكبير «علي إبراهيم اللحو» ذو الصوت والأداء الجيد على حد تعبير «ود العيكورة» الذي أهداه الأغنية.    

*** قصة أغنية «السمحة نوارة فريقنا»:

يقول ود «العيكورة» عن قصة أغنية «السمحة نوارة فريقنا»: كان نوعاً من الحب الشريف الذي لا تشوبه شائبة. رأيتها مرة واحدة في حياتي، لا أعرفها، ولم ألتقِ بها، وكانت متزوجة. غير أن الحب يبدأ بنظرة، كانت تعلم، وكنت أعلم، أراها من بعيد في الحفلة، ألهمتني معظم أغنياتي، ومن بينها «السمحة نوارة فريقنا» نعم كان حباً شريفاً طاهراً. ولم يكن لقاء الفتيات متاحاً في ذلك الزمن، وكانت الفتيات يدرن ظهورن للناس في الحفلة، ويستقبلن الحائط، وتخضع عودتهن للديار لحراسة شديدة وإشراف ومراقبة العريس والخيرين من أصحابه.

*** ميلاد أغنية «السمحة قالوا مُرحّلة»:

وذهب «ود العيكورة» بعد مرور عام على أغنية «السمحة نوارة فريقنا»، إلى الحصاحيصا لحضور إحدى الحفلات، وهنالك تناهى إلي سمعه خبر رحيل «معشوقته» خارج القرية. فتغشته حالة الهيام وجادت قريحته في ذلك المساء بأغنية «السمحة قالوا مُرحّلة»، ولم يطلع عليه الصباح إلا وقد فرغ من وضع لحنها.  ويشير «ود العيكورة» إلى أنه كتب «17» أغنية بلحنها في هذه المعشوقة الملهمة.

*** إثبات نسب «السمحة قالوا مُرحّلة» لـ«ود العيكورة»:

ولم يتشرف «ود العيكورة» بمقابلة الفنان مصطفى سيد أحمد الذي تغني برائعة خالد عباس «السمحة قالوا مُرحّلة». وعندما أخبر الناس الشاعر خالد عباس صبيحة الأمسية التي غنى فيها مصطفى سيد أحمد بقرية العيكورة، وما أثير من إدعاء مصطفى لملكية الأغنية وغضب الناس عليه، طلب إليهم أن يتركوا الأمر حتى تجد الأغنية حظها من الإعلام ليتولى بعدها إثبات حقه. وأوردت إحدى الصحف حديثاً لمصطفى سيد أحمد يقول فيه: في عام 1956م، وفي مناسبة زواج أحد أبناء القرية من فتاة في قرية العيكورة، وفي الحفل الذي أقيم في هذا الزواج، سمعنا مغنياً من القرية- شارك في الحفل- يشدو بأغنية شعبية ميزت منها في ذلك الوقت «الفريق أصبح خلا.. جاني الخبر جاني البلا»، وملامح اللحن كانت مشحونة بالعاطفة. وفي لحظة صفاء ذكرت لشقيقي المقبول ملامح اللحن والمعاني التي تدور حولها القصيدة وأخبرته بأن هنالك إحساساً قوياً يهزني في هذا اللحن. وقد وافق فيه ذلك ظرفاً نفسياً خاصاً فكتب نص «السمحة قالوا مُرحّلة». أُثبت هذه المعلومة إحقاقاً للحق وتوضيحاً للغموض الذي يحسه من له صلة بالأغنية القديمة عندما فاجأتهم الأغنية الجديدة.

*** «ود العيكورة» لست مذبذباً في الحب:

وما زال الشعر يتنزل على الشاعر خالد عباس «ود العيكورة» الذي يكتب بالمناسبات ويعيش قصائدها ويحسها. يقول: «لست مذبذباً في الحب، ولكني أكتب في شخصية تعجبني في طبعها، وفنها». وقد كتب أغنية جديدة في فتاة تجمعه بها صلة قرابة بعد أن أعجبه طبعها يقول:

يا السمحة يا ست السماح ** يا الطاعمة يا قدح الصباح

خديك زي شفق الأصيل ** وقت الشمس تجي للرواح

عطرك عبق جابو النسيم ** يا سمين وقاح

وقال في بائعة شاي رفضت أخذ أجر ما صنعته لهم من قهوة بعد معرفتها بهوية الشاعر:

جابت الجبنة جات بي كل ذوق ولطافة

حلفت بي يمين معمولة لينا ضيافة

مهما قلت فيها أنا ما بجيد أوصافها

فنجان بكري واحد يمرق القريافة   

Leave A Reply

Your email address will not be published.