فقه المراجعة

0 216

أ.د. عبدالله محمد الأمين النعيم

منذ حرب الخليج وعاصفة الصحراء 1990م ومروراً بأحداث البوسنة والهرسك وتفجيرات سبتمبر وما جرته من عدوان على أفغانستان وانتهاءً بأحداث فلسطين وميانمار يعاني الإسلام والمسلمون من حملة استعداء غربية تكالبت فيها الأمم على العالم الإسلامي تكالب الأكلة على قصعتها وليس عن قِلة وإنما نحن ” كثير ولكن غثاءٌ كغثاء السّيل” (مسندأحمد،ح22450،ج5،ص278،أبوداؤد،ح4297،ج4،ص111) بعد أن نزع الله من صدور أعدائنا المهابة منّا، وبعد أن قذف في قلوبنا الوهن، و الوهن هو حب الدنيا وكراهية الموت؛ كما فسره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في ذات الحديث ، وهو حديث من أحاديث الفتن والملاحم ، وهذه الأحاديث استشرف فيها الرسول (صلى الله عليه وسلم) مستقبل أمته وحدَّد فيها ملامح الإصابات التي سوف تتعرض لها وكلها إصابات مبنية على أسباب ومسببات تندرج تحت قانون السنن والنواميس . وهذا الحديث الذي يتحدث عن تداعي الأمم على الأمة الإسلامية – كما هو مشاهد الآن – يعكس؛ سنة من سنن المداولة الحضارية كما أكَّد على ذلك حديث الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وحب الدنيا وكراهية الموت – الذي يدل على النهم للملذات الدنيوية وتفضيل خيار الحياة الدّنيا والتقاعس عن الجهاد لنصرة الدّين وما فيه من تفضيل للدار الآخرة – آفة لم يسقط فيها الناس العاديون فحسب وإنما سقط فيها العاملون في الحقل الإسلامي حيث لا تخرج ممارسات الكثير منهم عن ما هو شائع وسائد فكيف – إذن- يستطيعون انقاذ الأمة وعلاج المجتمع وهم يعانون من أمراضه ؟. وهاهو ثلث قرن يمر على الصحوة الإسلامية فما هو مردودها في الواقع الإسلامي ؟! وما هو مستقبلها؟.

إنّ  المتفحص للواقع الإسلامي يتضح له أنّ حصاد الصحوة الإسلامية في جملته يتمثل في الكثير من الفشل والقليل من الأمل ؛ ويعود ذلك الفشل إلى غياب التخطيط والعفوية والارتجال في برامج الحركات الإسلامية والسطحية وضيق الأفق في الفعل وفي رد الفعل ؛ فضلاً عن الصفوية في العمل الإسلامي وعدم تجانس الخطاب الذي يعكس هو الآخر خللاً في التفكير. وهذه كلها أسباب أقعدت العمل الإسلامي وشلَّت قدرته في المدافعة الحضارية.

لقد عكست الأحداث القطرية والإقليمية والعالمية ضعف الخطاب الإسلامي وعجز الجماعات الإسلامية عن تقديم حلول لمشكلات المجتمعات الإسلامية وعن عدم قدرتها على مواجهة حضارة الآخر التي تسعى إلى اجتياح العالم وابتلاعه تحت ستار العولمة – فما العمل؟!.

الإجابة على هذا السؤال المصيري تستدعي تفكيراً عميقاً وجدياً في ماضي الأمة وحاضرها بحثاً عن غدها المنشود … ولا يستطيع الإنسان أن يحدِّد مكمن الإصابة وأسباب تعثر مسيرة الأمة إلاّ بالنظر في أحوال من يقودون المسيرة بعد أن انقضى خير القرون والذين يلونهم ثم انعدم الخير واستفحل الشر ووصلت الأمة إلى هذه الحالة الغثائية.

إنّ القيادة سواء كانت مرجعية سياسية أو دينية أو خلافه هي لبنة تأسيس المجتمع المسلم الراشد. وهذه المرجعية ليست رأس الدولة أو الوالي فقط بل تنداح إلى أصغر نواة مجتمعية سواء كانت أسرة أو خلية ” كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته” (البخاري، ح 2368و2232و844.). ولعل من أسباب مأساة العمل الإسلامي المعاصر غياب القدوة في محاضن التنشئية وبيئة العمل. وإنّ الخسران المبين لأمة المسلمين يعزى لغياب القدوة في الواقع المعيش، وعلى هذا فليس من سبيل إلى النصر والتمكين ؛ وليس من سبيل أيضاً لتحريك العمل الإسلامي وستكون أي حركة من غير طائل ورسم في الفراغ، ذلك لأنّ القدوة التي تتحرك بين الناس بلحمها ودمها هي التي تترك أثراً في نفوس الناس وهي التي تجسِّد قيم الدين في واقع الناس فيتحرك المجتمع على إيقاع حركتهم.

ومن هنا نقول بأنّ وقفة لمراجعة العمل الإسلامي ومحاسبة النفس تغدو من قبيل فروض الضرورة لا فروض الكفايات لأنّ فرض الكفاية لا يقوم به الكل والمطلوب هو الكل.. وإذا كان الله سبحانه وتعالى لا يغيِّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فإنّ هذا التغيير يبدأ من شعورنا بالمشكلة ثم مواجهة أنفسنا والتجرد لله وأن نحب لجماعة المسلمين ما نحب لأنفسنا ، ذلك لأنّ مصائب العمل الإسلامي – والذي هو نتيجة لغياب القدوة – هو الإثرة والأنانية على حساب المجموع لأنّ المسلم الفرد لو أحبّ مصلحة الجماعة لما تقدّم إلى قيادتها وهو عاطل عن كل شيء . ولا شك أنّ المسألة هنا مسألة تربية سواء كانت في البيت أو المؤسسات العلمية الخ…

إنّ مؤسسات العمل الإسلامي – إلا ما رحم الله – بوضعها الراهن لا تمت للإسلام بشيء سوى الاسم وابتداءً بسياسة التعيينات ومروراً بخنق الكفاءات وانتهاءً بغياب الشورى يتضح أنّ العمل الإسلامي إن لم يكن صفر المردود فهو مهلك للمال العام فيما لا نفع فيه .. كما يتضح أنّ العمل الإسلامي عاجز عن إحداث التغيير على الصعيدين الروحي والمادي وما ذلك إلا لغياب القدوة الراشدة … القدوة التي تصنع من هذا الإنسان الخام أو الكَلْ بمصطلح القرآن إنساناً فاعلاً يحرِّك التاريخ.

لقد تدخل الهوى في كل شيء ، وتلك هي الدنيوية ، دنيوية العمل الإسلامي حيث الوهن والجري وراء الدنيا والتقاتل عليها بين أبناء التنظيم الإسلامي الواحد مع تستر الكل بخدمة الإله العلي الكبير وبهموم الأمة الإسلامية وللكل مبرراتهم حيث تمَّ تقطيع أوصال الرؤية الإسلامية فأحالوها إلى رؤية مرذولة فرّقت أمر الجماعة وجعلتها شيعاً وأحزاباً … رؤية جعلتنا كالمنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.

من هنا نقول بأنه لا بد من المراجعة في مؤسسات العمل الإسلامي فلا مكان للولاء للدم والحزب في التعيينات، بل التعيين للقوي الأمين وذلك هو ولاء العقيدة . ولا مكان فيها للطاغوت بعد أن حرّرت الناس العقيدة ولا مكان فيها للانفراد بمصير الأمة بعد أن جعل الله أمر الناس شورى بينهم ولا ولاء فيها إلا لله قولاً وممارسة لا تنظيراً يجعل الإله معزولاً عن واقع الناس فيتخذون ملايين الآلهة في أرض الواقع.

قد لا يتفق معنا الكثير من الناس حينما نعزو أسباب فشل العمل الإسلامي المعاصر لغياب القدوة ، لكن المتابع والمراقب للواقع الإسلامي يلاحظ كيف يتم تقديس القيادات وكيف يدور الرجال حولها بدلاً من دورانهم حول الأفكار حتى أصبح يعرف الحق بالرجال بدلاً من معرفة الرجال بالحق ؛ فإذا كان الحال كذلك فلا جَرُمَ أن نحمِّل هذه القيادات وزر الفشل ؛ الفشل في تربية الأمة ، والفشل في التخطيط لواقع الأمة ولمستقبلها ، والفشل في قيادتها في ميادين المدافعة الحضارية، والفشل في تسخير إمكاناتها المادية والفكرية وتعبئتها لمواجهة عدوها.

وثمة أشياء كثيرة غائبة عن وعي الجماعات الإسلامية – سواء كانت تنظيمات سياسية أو مؤسسات علمية – وقياداتها ؛ وينبغي عليها أن تعالج عيوبها وأن تصلح ما بها وتغيِّر ما بذاتها حتى تستطيع تغيير الواقع وذلك بدلاً من تحميل عامة المسلمين وزر فشل العمل الإسلامي ورميهم ورمي عقولهم بكل نقيصة، فالشر في القيادة يعم وفي القاعدة لا يصيب إلا صاحبه.

إنّ من الخطورة أن تمارس الجماعات الإسلامية ومؤسساتها نقد العقل المسلم متحدثة عن أزمته وإعادة تشكيله دون أن تمارس قيادتها سلوكاً راشداً في أرض الواقع يشكّل لعامة المسلمين نبراساً وهادياً إلى سواء السبيل بدلاً من أن يفزع المسلمون إلى سيرة نبينا والسلف الصالح فينفعلون لحظات ثم يعودون إلى تيار الحياة الصاخب فلا يروون قدوة لهم في أرض الواقع، وإنما يروون مؤسساتهم الرّسالية تصرف في بذخ على العمارة والاحتفالات ويروون قياداتهم من المترفين المبذرين  بينما هم الحفاة الجوعى… هذه هي حالة أمة القيادة والشّهادة على العالمين ، وكان في الإمكان أن يكون واقع الأمة هو ذات الواقع الموصوفة به في القرآن لو وجدت القدوة الصالحة في واقعها المعيش .

لابد لنا أن نختم مقالتنا هذه بدعوة العلماء المسلمين للانتباه والاقتراب أكثر من واقع الأمة والانفعال بمشاكلها وهمومها المعاصرة ، فالأمة تتعرض اليوم – أكثر من أي وقت مضى– لحملات استهداف عالمية تعرّض وجودها ومصيرها للخطر فلا ينبغي والحال هكذا أن يقف علماء الأمة- الذين هم ورثة الأنبياء – في موقع المشاهد للأحداث دون قيامهم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والشهادة على العالمين.

Leave A Reply

Your email address will not be published.