توجيه البحث العلمي والتطبيقي لإعادة بناء القطاع الزراعي

0 138

  حامد محمد حامد

حامد محمد حامد

من خلال تجاربي العملية والذهنية لأكثر من نصف قرن في متابعة ورصد المعلومات المتعلقة بالبحث العلمي في كافة المجالات خلال تلك المسيرة الطويلة وبحكم اختصاصات العمل كنت لصيقاً بهيئة البحوث الزراعية ومؤتمراتها السنوية واجتماعاتها الدورية التي تطورت إلى ثلاث لجان قومية يشارك فيها كليات الزراعة بالجامعات والمجلس القومي للمبيدات ومديري المشاريع الزراعية القومية الأربعة بجانب المسؤولين في المشاريع المروية ومشاركة بعض الخبراء في أرصاد المياه.

حالياً نحن مقبلون على العقد الثاني من الألفية الثالثة وما زال الحديث يتجدد في اللقاءات السياسية والزراعية بجانب التوجيهات السابقة التي كانت تصدرها النهضة الزراعية وقد كانت فترة العشر سنوات الأولى من هذه الألفية التفاؤلات تغمر الأجواء  وما زالت جامعة الجزيرة تقوم بهذه الادوار المؤسسية للحصول على إنتاجية عالية في جميع المحاصيل حسب العمل المؤسسي والخطة الاستراتيجية للإصلاح الزراعي ونحن في رأينا أن هذه الجهود المبذولة في إطار البحث الأكاديمي أو توجيه الموارد بالترف الذهني الذي لا يفيد ولا بد من تكثيف البحث العملي التطبيقي الموجه لحل المشاكل والمعوقات بالتنسيق الكامل مع كل الجهات ذات الإختصاص لبلوغ الأهداف.

*البحث العلمي التطبيقي

إذا كانت هذه الأهداف في شكلها العام؛ سأتطرق لبعض جوانبها حيث أنه لا بد أساساً وجوهراً من توظيف البحث العلمي ويحسن أن يوجه تطبيقه لخدمة الأغراض المنشودة ولا بد للعاملين  في القطاع الزراعي بمختلف مواقعهم أن يعملوا بتنسيق تام لبلوغ هذه الأهداف وتحقيقها وعلى الجميع أن يعي الدور الذي يلعبه بالتنسيق مع الآخرين.

 وعليه أخلص هنا فلا قيمة لأي بحث أو أي جهد يبذل إذا خرج من هذا الإطار بل إن أي جهد مبذول خارج هذا الإطار ليس إلا ضياعاً للطاقات والموارد البشرية والمادية المتاحة لنا على قلتها.

 *السياسة الزراعية في ثلاثة أهداف:

لهذا لا بد أن يضطلع القطاع الزراعي بواجب إنعاش الاقتصاد القومي وحل المشاكل الاقتصادية التي واجهت السودان في السنوات الأخيرة الماضية وعليه ينبغي تصحيح الخلل الذي اعترى الميزان التجاري وميزان المدفوعات ومن هذا المنطلق يجب توجيه السياسة الزراعية إلى ثلاثة أهداف عامة وهي :

  • زيادة الصادرات عن طريق رفع الإنتاج رأسياً وأفقياً وتحسين الجودة.
  • ثانياً الإنتاج الزراعي حسب مطلوبات السوق العالمي ومنع التذبذبات الواسعة والمرصودة في قيمة الصادرات من سنة لأخرى.
  • ثالثاً العمل على الاكتفاء الذاتي للموارد الغذائية الاستراتيجية لتحسين الأمن الغذائي للمواطنين ويمكن بتوسع مدروس المشاركة في تحقيق الأمن الغذائي العربي مستقبلاً.

 وإذا كانت هذه هي الأهداف الرئيسية في شكلها العام أردد مرة أخرى لا بد من توظيف البحث العلمي التطبيقي لخدمة هذه الأغراض لإعادة بناء القطاع الزراعي المروي الحديث وتحسين الإنتاجية فيه بعد التدني الذي أصابها لسنوات طويلة خاصة محصول القطن الذي لم يحقق معدلات عالية بل لا زال في خمسة قناطير في المتوسط للفدان الواحد من القطن طويل التيلة وقصير التيلة كما حدث تدهور آخر بتقليص مساحات القطن بالجزيرة من “400” ألف فدان وبلغ حالياً “150” ألف فدان، والرهد “60” ألف فدان ومشروعي السوكي وحلفا الجديدة نحو “40” ألف فدان وأيضاً بمشاريع الطلمبات في كل من النيلين الأزرق والأبيض لا تزيد مساحة القطن عن “100” ألف فدان أما في جميع المشاريع الزراعية المروية والمطرية المزروع من القطن لا يزيد عن “720” ألف فدان  في هذا الموسم 2018م-2019م ورغم هذا فقد وصل الباحثون المختصون في هيئة البحوث الزراعية إلى استنباط أصناف جديدة للقطن حسب تقديرات الحقول الايضاحية وبرغم هذا إذا نجحنا في تحسين نوعيات القطن سيتحسن الدخل القومي فيما أن إنتاج الفول السوداني على نطاق القطر تراجع في السنوات الماضية نتيجة اخفاقات إلا أنه حدث تحسن ملحوظ في زراعة الفول بالسودان عن طريق الري الصناعي خاصة في مشروع الرهد.

 *القمح:

من جهة أخرى فان إنتاج القمح بمشروع الجزيرة واجه على الدوام إخفاقاً في الإنتاجية وفي  هذا العام بلغت المساحات المزروعة “700” ألف فدان إلا أنه حقيقة ليس هنالك من سبب جوهري يمنع إنتاج القمح من تحقيق أكثر من طن متري للفدان الواحد بمشروع الجزيرة ولعل البحث العلمي لهذا المجال قد أوفى باكتشاف كل الظروف التي تحقق مثل هذا المستوى من رفع معدلات الإنتاجية ولكن اكتشف هؤلاء الباحثون أن سبب تدني إنتاج القمح على العموم يرجع إلى الإخفاق في تحضير الأرض بالمستوى المطلوب وتوفير المهد الناعم المسطح من التربة الذي تتطلبه زراعة مثل هذه الحبوب الصغيرة كما يرجع السبب أيضاً إلى عدم توافر مياه الري في الزمن المطلوب حسب ما نسبه الزراعيون بزراعة هذا المحصول في المواقيت التي حددتها هيئة البحوث الزراعية ونحن نأمل من خلال البرامج البحثية التطبيقية بإعادة التعمير الزراعي بالحصول على الآليات والمعدات المطلوبة لتحضير أراضي القمح بالمستوى الذي يضمن زيادة محسوسة للإنتاجية كما نأمل أن تحصل وزارة الري والموارد المائية على الإمكانات المالية التي تمكنها من تطهير القنوات بإزالة الأطماء والحشائش المائية وتوافر مياه الري في مواقيتها وحسب المقننات المائية المطلوبة للحقل ومن هنا أقدم رؤية عاجلة ملخصها التفات الدولة إلى القطاع المطري الحديث والتقليدي بالتركيز على زراعة الحبوب الزيتية ونوعية زهرة الشمس وفول الصويا التي تلائم مناخ البلاد.

 ونامل أن تستنبط هيئة البحوث الزراعية البذور المناسبة كما ينبغي من جهة أخرى تأهيل القطاع المطري لتكثيف الجهود الزراعية الخدمية بالمقادير المطلوبة للمزارعين.

*المواد الغذائية:

 أما في مجال الإكتفاء الذاتي من الموارد الغذائية الاستراتيجية فإن القمح يأتي في مقدمة هذه الموارد فليس مقبولاً أـن يستورد السودان حوجته من القمح التي تقدر حالياً بنحو مليوني طن متري من الدقيق بينما يبلغ الإنتاج الكلي من القمح بالسودان نحو “720” ألف طن متري علماً بأن السودان وصل إنتاجه للقمح عند مرحلة التكثيف والتنويع في عام 75/76 زراعة “567” ألف فدان وفي 1992م بلغت المساحات المزروعة “604” ألف فدان هذا وكما هو معلوم فإن الأفكار كانت ترمي لزراعة القمح بوداي المقدم وأيضاً بمشروع ستيت بعد إنشاء خزن ستيت كما كانت الآمال ترمي لزراعة نصف مليون فدان بولايتي نهر النيل والشمالية “500” ألف فدان تزرع بمنطقة بربر ومشروع كوكا إبان تولي دكتور نافع علي نافع وزارة الزراعة الإتحادية.

*التجارة  الدولية:

  خلاصة الأمر أنه آن الأوان أن يلتفت الباحثون في هيئة البحوث الزراعية وجامعة الجزيرة والمؤسسات العملية إلى تكثيف البحث العلمي في  جميع مجالات المحصولات الزراعية والبستانية فما زلنا نستهلك أصنافاً ليست بالمستوى المطلوب من حيث الجودة بالرغم من المساحات الشاسعة الملائمة لإنتاج المحصولات البستانية فإن نصيب السودان في التجارة العالمية منها القليل والمتواضع وحسب معلومات فإن الشقيقة مصر تصدر للعالم العربي أكثر من مليون طن من الموالح قيمتها مليارات الدولارات.

*البترول:

ما حدث من تحول السودان لإنتاج النفط أضعف الزراعة وضربها في مقتل وإن تصدير هذا البترول بكميات من بلادنا سيكون له آثار سلبية واسعة على القطاع الزراعي ومن أهم آثاره انعاش القطاع الصناعي وقطاع الخدمات والبناء والتشييد مما يؤدي إلى رفع الأجور في هذا القطاع فيعجز القطاع الزراعي عن الوقوف في وجه المنافسة مع الأيدي العاملة وسوف يؤدي ذلك بلا شك إلى محاولة هجر الزراعة للعمل في هذه القطاعات المتصلة بنشاط النفط خصماً على الزراعة.  

Leave A Reply

Your email address will not be published.