دور الإعلام الجديد في صناعة الدستور الدائم

0 247

ودمدني: حامد محمد حامد

     جدل كثير يدور في الساحة هذه الأيام حول الدستور، فهناك من يفكر في العودة للأسلوب القديم في كتابة الدستور الذي يعتمد على تشكيل لجنة محدودة العدد واسعة التمثيل لتعد مسودة تطرح على المجلس الوطني لإجازتها.. وهذا التفكير لا يستصحب التطورات العديدة التي طرأت على مفهوم الدستور وطريقة صياغته.

       فالدستور لم يعد مجموعة قواعد ونظم تحكم المؤسسات التشريعية والتنفيذية بل أصبح عقداً اجتماعياً يتوافق عليه أهل السودان كوسيلة لإزالة أسباب الاحتقان الداخلي وتحقيق السلام المستدام ووضع الآليات والضوابط التي تضمن العدالة والانصاف لكافة أجزاء القطر مع تحقيق أيضاً التنمية المتوازنة المستدامة والإعتراف بدور المجتمع المدني في صناعة القرار واستيعاب التطلعات الجهوية ووضع أسس حكم القانون وكفالة الحريات وبسط العدل والتداول السلمي للسلطة واعتماد الحوار وسيلة لحل المشاكل بديلاً للمواجهات المسلحة وغيرها.

       وعليه فإن الدستور بهذه المعاني هو آلية للمصالحة الوطنية وفض النزاعات سليماً والقضاء على خلافات الماضي.

فذلكة تاريخية:

       وأقدم هنا سريعاً باختصار التطورات التي صاحبت سيادة السودان خلال 94 سنة على مجريات تطورات الدستور، فإن الحديث عن سيادة السودان ارتبط منذ أربعة وتسعون سنة بقصة طويلة لا بد أن أتصدى لها في نقاط مختصرة.

       أولاً: فقد أعلنت انجلترا استقلال مصر بتصريح أصدرته في 28/2/1923م وعلى أثر ذلك التصريح تكونت لجنة لتصنع الدستور الذي يحكم البلاد بمقتضاها.

       ونصت المادة الثانية من هذا الدستور على تبعية السودان لمصر وأن يوضع السودان نظاماً خاصاً تسير الإدارة بمقتضاه ولكن هذا لم ينفذ.

       ومضت الإدارة البريطانية في السودان في تكوين المجلس الاستشاري لشمال السودان وقد افتتحه الحاكم العام يوم 15/5/1944م.

       وصرح الحاكم العام يومها: (نرى اليوم أول تغيير ملموس للأمة السودانية)، فقد كانت هذه العبارة كما وصفتها الصحف البريطانية أخطر إشارة في تاريخ الحكم الثنائي في السودان.

       بحيث أنه لم ترد في اتفاقية الحكم الثنائي بين مصر وبريطانيا أية إشارة للذاتية السودانية ولم يستمر المجلس الاستشاري أكثر من ثلاث سنوات ونسبة لأنه مفروض من أعلى وأعضاؤه إما موظفون أو من نظار الإدارة الأهلية أو تجار والذين لهم مصالح مع الحكومة.

       ولعل الإنجليز رأوا أن يستجيبوا بطريقة ملتوية بمذكرة مؤتمر الخريجين بإنشاء مجلس لا تزيد مهمته على الاستشارة وإبداء الرأي خاصة وأن الاستشارة كانت قاصرة على المسائل الخاصة بالمديريات الشمالية ولم تشمل المديريات الجنوبية مما يدل على سلامة القصد ولكن في 3/11/1945م أدلى حاكم عام السودان بتصريح أكد فيه المجلس الاستشاري بأن الحكومة مصممة على استشارة السودانيين في مستقبل بلادهم.

       وقد أدلى مستر بيقن رئيس وزراء بريطانيا بتصريح مماثل ألقاه في مجلس العموم البريطاني في مارس 1946م وردده الحاكم العام مرة أخرى في 17/4/1946م في السودان.

الجمعية التشريعية 1948م:

       ونظير هذه التصريحات بشأن استشارة السودانيين تم تكوين الجمعية التشريعية بزعامة عبد اللـه بك خليل وتولى أيضاً وزارة الزراعة إلا أن الجمعية قوبلت باحتجاجات ومعارضات صارخة شعبية.

       وقال يومها إسماعيل الأزهري قولته التاريخية عن الجمعية التشريعية: لن ندخلها حتى لو كانت مبرأة من كل عيب.

دستور الحكم الذاتي:

       كون الحاكم العام لجنة من معظم الأحزاب السودانية والجنوبية والمستقلين وفوض لها وضع توصيات لدستور الحكم الذاتي وبعد أن تمت صياغة هذا الدستور صياغة قانونية أرسل لدولتي الحكم الثنائي في مايو 1952م لإبداء ملحوظاتها عليه والتصديق به.

وفود سودانية للخارج:

       ثم سافرت وفود سودانية للتنوير حيث سافر الإمام عبد الرحمن محمد أحمد المهدي إلى إنجلترا في أكتوبر 1952م ثم بعد ذلك لمصر، كما ظل إسماعيل الأزهري على اتصالات لجمع الشمل.

خلاصــة:

       قدم الوفد السوداني خطاباً للرئيس المصري آنذاك اللواء محمد نجيب في يوم الجمعة الموافق 23/10/1952م وقد كان متوافقاً ومنسجماً مع الخط السوداني ونظير هذا جرت أول انتخابات برلمانية في عام 1953م في ظل الحكم الذاتي واكتسح الحزب الوطني الاتحادي معظم المقاعد البرلمانية ومكنته من تكوين أول حكومة وطنية في يناير 1954م برئاسة الأزهري ووزيراً للداخلية إلا أن حكومة الأزهري واجهت مشاكل عويصة بدءاً بحوادث أول مارس 1954م واندلاع التمرد في الجنوب في 28/8/1955م ثم إنفاذ الجلاء للقوات البريطانية 16/8/1955م.

       وأبحرت السفينة وأعلن الأزهري في يوم 19/12/1955م استقلال السودان من داخل البرلمان وكانت هذه أكبر خبطة سياسية على نطاق تاريخ السودان وأيد هذا الاستقلال حزب الأمة واستمرت العواصف تجتاح حكومة الأزهري فجرت حوادث عنبر جودة الشهيرة بعد الاستقلال بتسعة وأربعين يوماً أي في 19/2/1956م ثم سقطت حكومة الأزهري في 5 يوليو 1956م ثم تم فيما بعد تكوين حكومة السيدين بين المهدي والميرغني حكومة مؤتلفة من حزبي الأمة والشعب الديمقراطي.

الدستـــور:

       وظلت الهيئة البرلمانية للحزبين المؤتلفين تعقد اجتماعات متصلة ليلاً بصالون عمارة الصحف الاستقلالية وكانت الخلافات مستمرة حول موضوعات تتعلق بالأسس الخاصة بالدستور الدائم إلا أنه لم يتم الوفاق في وضع الدستور نسبة للخلافات.

17 نوفمبر 1958م:

       حتى قام الأميرالاي عبد اللـه خليل رئيس الحكومة ووزير الدفاع بتسليم سدة الحكم للعسكر برئاسة الفريق إبراهيم عبود والجنرالات العشرة ومنهم في القيادة الأساسية اللواء أحمد عبد الوهاب ووزير الداخلية والحكومة المحلية.

       واللواء حسن بشير نصر وزيراً في رئاسة مجلس الوزراء.

ثورة أكتوبر:

       حتى تفجرت ثورة أكتوبر 1964م بخلع العسكر من الحكم وتكوين حكومة مدنية برئاسة سر الختم الخليفة إلا أن خلافات دبت على أثر اندفاع جبهة الهيئات وتوجهاتها وتسلم رئاسة الحكومة الديمقراطية الصادق المهدي في عام 1966م إلا أن الخلافات استمرت مع عمه الهادي محمد أحمد المهدي ولم تصل الأحزاب لوفاق لوضع الدستور الدائم حتى حدث الانقلاب المايوي في 25/5/1969م بقيادة العقيد جعفر نميري وخلال النظام المايوي حدثت عدة محاولات لوضع الدستور حتى تم وضع دستور يتماشى مع توجهات النظام وكان من حسناته توقيع اتفاقية أديس أبابا في عام 1972م بشأن نظام الحكم الإداري في الجنوب إلا أن نميري نقض غزله بعد عشر سنوات في 1982م وأعلن قيام الأقاليم الثلاثة للجنوب مرة أخرى واندلعت الحرب بين الشمال والجنوب في عام 1983م.

انتفاضة أبريل 1985م:

       أزالت الانتفاضة الشعبية في السادس من أبريل 1985م النظام المايوي وكونت حكومة مؤقتة للفترة برئاسة الفريق عبد الرحمن سوار الدهب والبروفيسور/ الجزولي دفع اللـه رئيساً للوزراء واستمرت الحكومة لسنة واحدة حسب الاتفاق.

       وفي عام 1986م جرت انتخابات وقامت الديمقراطية الثالثة برئاسة الصادق المهدي إلا أنها لم تستمر أكثر من ثلاث سنوات حتى جاء الانقلاب العسكري في 30/6/1989م بقيادة العميد/ عمر حسن أحمد البشير وهكذا ظلت البلاد عاجزة عن صناعة دستور تجمع عليه البلاد فبعد إتفاقية السلام الشامل 2005م والذي توافقت عليه معظم القوى السياسية رغم أنه أتى بإرادة طرفين فقط من القوى السياسية المسيطرة عسكرياً وسياسياً حزب المؤتمر الوطني الحاكم والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الدكتور/ جون قرنق.

       إلا أن ذهاب جنوب السودان بعد أن اختار تقرير مصيره عبر الاستفتاء الذي بدأ التصويت عليه في 9 يناير 2011م وجاءت نتائجه مؤدية لاستقلال جنوب السودان عن الشمال مما فتح الباب مجدداً أمام القوى السياسية في الشمال للرجوع للمربع الأول في عملية صناعة الدستور الدائم.

       كما انطوى الأمر لدى الأحزاب على إعادة النظر والتفكير في مبادىء الدستور وكلياته من وجهة نظر بعض القوى السياسية، وإعادة إنتاج دستور متوافق عليه في قضايا الحكم والحقوق وإدارة الدولة، وترى بعض الأحزاب أن يكون الدستور مؤقتاً ويتم وضعه فيما بعد دائماً أي بعد إجراء انتخابات عامة في عام 2020م كما أعلن.

المبادرة السودانية لصناعة الدستور:

       نشأت في العام 2011م المبادرة السودانية لصناعة الدستور استجابة للواقع السوداني الذي يعبر عن أزمة وطنية شاملة في جميع مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ هذه الأزمة التي تتطلب تضامن جهود جميع الوطنيين والوطنيات للإسهام في إيجاد حلول بديلة للخروج من الأزمة التي تتعقد حلقاتها يوماً بعد آخر خاصة مع ما أفرزه جنوب السودان وتجدد دائرة الحرب بمنطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق مع استمرار النزاع أحياناً وانعدام الاستقرار والتنافر في مجموعة من المنظمات المدنية والمؤسسات العلمية لصناعة الدستور.

       وعليه لابد من تجميع القوى السياسية وتوافقها على الاتفاق على المبادئ الأساسية لصياغة الدستور الدائم للبلاد.

       ولابد من مشاركات فعلية لقطاعات الشباب والمرأة والمزارعين والعمال والمثقفون وخبراء القوانين والطلاب والمرأة والشباب وغيرهم وهذا واجبنا في الإعلام الجديد في صناعة الدستور.

مؤشـرات:

       في 30/6/1989م تم حكم البلاد أولاً بالمراسيم الجمهورية إلى حين تشكيل المجلس الوطني الانتقالي بالتعيين وتم إعادة اسم الجمهورية إلى اسمها الأول (جمهورية السودان) ثم صدر الدستور 1998م ثم جاء بحكم دستور 2005م وأجري تعديل أخير لهذا الدستور في أواخر ديسمبر 2014م وأوائل عام 2015م لإلحاق اتفاقية الدوحة الخاصة بدارفور بهذا الدستور.

تسلسل إصدار الدساتير:

  • في عام 1956م نال السودان استقلاله تحت اسم جمهورية السودان بنظام حكم رئاسي مكون من مجلس سيادي خماسي وبرلمان مع وجود منصب رئيس الوزراء تحت دستور مؤقت.
  • في عام 1958م حكم الفريق إبراهيم عبود البلاد بالأوامر العسكرية وتعديل العمل بالدستور السوداني.
  • في عام 1964م خلال ثورة أكتوبر أعيد الحكم بموجب دستور 1956م والذي عدل في عام 1964م.
  • انقلاب مايو 1969م عطل الدستور وحكمت البلاد بموجب الأوامر الجمهورية إلى أن تم وضع الدستور الدائم في عام 1973م، والدستور المعدل 1975م وتغير اسم جمهورية السودان إلى (جمهورية السودان الديمقراطية).

وعليـه لا زال السودان متخبطاً في وضع الدستور الدائم للبلاد نسبة للخلافات السياسية والأيديولوجية والمذهبية على رغباتهم ومصالحهم الشخصية.

Leave A Reply

Your email address will not be published.