وداعاً الطيِّب صالح.. رمزاً أدبياً إفريقياً شهيراً

0 36

د.مصطفى مَرُّوشي

ترجمة صلاح محمد خير

لم يتمهلوا إطلاقاً، كان رحيلهم خسارة فادحة؛ أولاً، كان هنالك رحيل إدوارد سعيد، ثم أعقبه محمود درويش، لتجيء الآن لحظة رحيل الطيب صالح. إذا كان إدوارد سعيد قد صدح بأغنيات حول مباهج (مكان اللامكان) ودرويش ظلّ يكتب كما لو كان طفلاً ضنيناً يرفض اقتسام الصفحة مع أي شخص، وبالأخص مع محتلٍّ عديم الشفقة، فإن الطيب صالح ظلّ يعيش معظم سنوات حياته على تخومٍ تجمع بين الشرق والغرب وتمتدّ إلى بقية العالم. بوصفه مفكراً، ومواطناً، وكاتباً، إعتلى الطيب صالح صهوة الزمان تماماً وبنورانيّةٍ تفوق العادة والوصف. كان يمتلك أيضاً قدرةً مذهلةً على فهم الناس، بغض النظر عن المكان الذي جاءوا منه،وتلك دلالة تظهر بوضوح في عمله الإبداعي (موسم الهجرة إلى الشمال)؛ حيث يقول الراوي مرتّلاً: (دهشوا حين قلت لهم إن الأوربيين، إذا استثنينا فوارق ضئيلة، مثلنا تماماً؛ يتزوجون ويربون أولادهم حسب التقاليد والأصول، ولهم أخلاقٌ حسنة، وهم عموماً قوم طيبون). صوتٌ إنسانويٌّ في كامل بهائه لا يشبه إطلاقاً ذلك الهراء الذي يجده المرء في مقالات جائرة مثل (صراع الحضارات)، أو كتاب برنارد لويس المعنون: (ما الخطأ؟ الصراع بين الإسلام والحداثة في الشرق الأوسط). يكفي أن نضيف بأن للطيب صالح طاقةٌ لا تُحدّ للوقوف بجانب الحقيقة؛ ليس فقط الحقيقة الكامنة وراء المعاناة الاجتماعية، التي لا تُدوَّن في الغالب؛ بل أيضاً حقيقة القسوة المؤسساتية التي تندسّ، بمكرٍ، تحت سطح الأشياء.

لم يكن بمقدور السلطة أن تجبر (سِي الطيِّب)، كما اعتدنا أن نسميه في المغرب العربي، على فعلِ شيءٍ، أو تشكّل وجهاً من أوجه حياته، فهو يسمو فوق أشكالها المعاصرة على نحوٍ غير هيَّاب. عندما كان (مؤتمر الرواية العربية الثالث)، المنعقد في القاهرة عام 2005م يبحث عن إنقاذ سمعةِ جائزته، التي يشتهيها كل الروائيين العرب، بمنحها للطيب صالح؛ أثار هذا القرار الدهشة. كان الذين قد فازوا بهذه الجائزة هم: الروائي السعودي عبد الرحمن منيف، وصنع الله إبراهيم الذي رفض استلامها، وجمال الغيطاني الذي ينتمي إلى جيل صنع الله إبراهيم المتحدِّي، والذي رفض هو الآخر استلام الجائزة . كتب الغيطاني يقول: (بالرغم من أن الطيب صالح روائي بارز، إلا أن فوزه لم يعمل على تبييض وجه هذه التظاهرة). هذه الملاحظة مفعمة بكيد وفروسية سياسيّة. فالطيب صالح، قبل كل شيء، هو لا منتمٍ، وعلى اللامنتمي أن يصعد كل الجبال، جبلاً بعد جبل، قبل أن يكون بمقدورنا أن نكرمه كواحدٍ منا.

بكل أنواع السبل، فإن حياة الطيب صالح الثرية وموته يعكسان ويفسِّران الاضطراب والمعاناة اللتان تكمنان في اللباب من التجربة العربية؛ وهذا هو الأمر الذي يجعل من حياة الطيب صالح شيئاً يستحق التفحص والتأمل؛ إذ أن حياته تجسّد حياة العربي وهو يجرّب أوضاعاً ومواقفَ في دروب هذه الحياة المفعمة بالحيرة والارتباك. الشيء الوحيد الذي بَرَز للعيان ساعة رحيله ،هو أن الطيب صالح قد قام بتقديم عرضٍ يجسِّد دخوله المتألّق إلى الحياة، وعلى نحوٍ ممكنٍ، خروجه من التاريخ؛ وذلك شيء لا يمكن أن يتأتى إلا لشخصٍ يتمتّع بمنزلةٍ رفيعةٍ ومكانةٍ إستثنائيّة مثل الطيب صالح. لم يخفق أحد في التعليق حول فضله ورِقَّة شعوره، ومعنى أن يعيش الطيب صالح في عالمٍ عادلٍ ومُترف.

كان العالم العربي بالنسبة له تساؤلاً دائماً لا يمكن أن يجد له إجابةً شافيةً، ولا يمكن حتى التعبير عنه. كان كل شيء في شخصيته يؤكد هذا التعلّق الدائم، بدءاً من نزوعه الاجتماعي واستبطانه المتقلّب المزاج، ومروراً بتفاؤل إرادته وحيويّة روحه، وانتهاءً بالاحساس الراسخ بالعجز، الذي يمكن أن ينتاب الكثيرين منّا (كانت الحرب الأهلية الدائرة في دارفور، والتي تمزّق وطنه الأم، شيئاً لم يبعث أبداً إلى روحه الاطمئنان). لسببٍ من كل هذا، فإن حياة الطيّب صالح تُعبّر على نحو متزامن عن الهزيمة والانتصار, القنوط وبلوغ الأشياء والاستسلام والتصميم. باختصار، فإن حياة الطيب صالح تمثّل نسخةً من حياة العالم العربي بكل تعقيداتها التي كتبها واحد من أروع أفارقة عصرنا.

كانت المرة الأولى التي قابلت فيها الطيب صالح في معهد العالم العربي بباريس في العام 2002م. كان الطيب صالح هو المتحدث الرئيس في مؤتمر يدور حول (الكراهية في العالم)؛ يومها تحدث الطيب صالح بفصاحة ونزعة متحدية عن “الإسلامويّة” مُحاججاً بأنها تشويه لديانة عظيمة، وحطّ لقَدْر أمةٍ كريمة.

في باريس كان الطيب صالح ذكيّاً، ومحرّضاً لنا نحن الأجيال الجديدة، وقد كان كريماً معي حينما اقتربت منه طالباً الإذن في أن أقوم بترجمة جديدة ممكنة من اللغة العربية إلى اللغة الانجليزية لروايته (موسم الهجرة). كانت نيّتي في إنجاز هذه الترجمة تذهب إلى تحوير السرد قليلاً ليكون متّسقاً مع الأحداث التي أعقبت الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية. تقبّل الطيب صالح هذا الطلب بسخاء وترحاب. أدهشني طبعه المتواضع، ومودّته وإجلاله لمن يُحتمل أن يكونوا أصدقاء مستقبليين. لقد كان جادّاً على الدوام، ولا يحيط نفسه بأيةِ هالةٍ من القداسة، ودائماً ما يغتنم الفرص ليقول شيئاً بالغ الحكمة، وبلغة عربية تنسكب كالموسيقى على آذاننا، نحن الذين نحيط به كما لو كان (موسى) عصرنا الحديث. كانت الاستقامة والإخلاص علامتان مميزتان لحضوره الفكري، بل كان يمتلك سخرية مريرة عندما يشرع في مهاجمة الدجل والخداع.

يشكّل فقدان الطيب صالح، بالنسبة لنا نحن أصدقائه وطلابه وزملائه، مصدر حزنٍ ووحشة، بسبب تلك التركة من الأفكار التي خلّفها لنا الطيب صالح كمصدر مؤازرة. فلو كتب الطيب صالح فقط، على سبيل المثال، (حفنة تمر) أو (عرس الزين) لكان ذلك شيئاً كافياً لنا، ولا يمكن أن يعرّضنا للهجران. إننا نكرّم ذكرى الطيب صالح اليوم ونحن نُذكِّر أنفسنا بتراثه الثرّ الذي يفضي الى مجموعة آثار تحكي عن ثراءٍ فريد وسعة نظر لا تُضاهى.

كان رحيل الطيب صالح، بالنسبة لي، تجربةً تتّسم بالفداحة، إلا أنني لم أقاس فداحتها وحدي في مكانٍ قصيٍّ من الولايات المتحدة الأمريكية. كان هناك قارئ نصوص عظيم وطالب سبق لي أن قمت بتدريسه هو (خالد غزال)، الذي يتخذ من المملكة المتحدة مكاناً للإقامة والعمل. أخبرني غزال بنبأ رحيل الطيب صالح عبر رسالة تسلمتها بالأمس؛ كان هناك أيضاً شقيقي نور الدين مروشي، الذي تحدث معي عبر الهاتف، مُعَدِّداً روعة مآثر الطيب صالح، وكيف أن رحيله يجسّد محنةً، ليس في العالم العربي الذي يمرُّ بمنعطفٍ نحتاج فيه إلى عددٍ لا يحصى من أناسٍ مثل الطيب صالح وإدوارد سعيد ومحمود درويش  فحسب، بل في بقيةِ أجزاء العالم. ذَكَّرت نور الدين بأن أناساً مثل الطيب صالح لا يموتون أبداً، لأنهم يجسِّدون من وَصَفَهُم الشاعر الإنجليزي جون كِيتس مرةً، على نحوٍ متوقد الذكاء، بأنهم “نجوماً ساطعة”. أناسٌ مثل الطيب صالح يعيشون- إلى الأبد- في ذاكرتنا ودواخلنا وإيمائاتنا واغتباطاتنا ودموعنا؛ إنهم يعيشون في تطلعاتنا، وما يمكن أن يعترض هذه التطلعات  من عوائق. حقيقة، رحل الطيب صالح في وقتٍ تعاني فيه الإنسانية من شحٍّ في أنصار العدالة (يُمَثِّل انتخاب بنيامين نتيناهو، وهو الرجل المتِّسمةُ بصيرته بالعمى والفقدان الكامل للحسّ- تذكيراً لنا بأننا نمضي في دروب رحلة شاقة) وللأسف ذلك ما يسيطر علينا على نحوٍ لا يمكننا الفكاك منه، و لكنه يدفعنا إلى الاستمرار في تبنّي الروح النقدية الاستثنائية التي تميز الطيب صالح، والسعي إلى تخليدها بلا انقطاع.

في النهاية، الطيب صالح هو رجل آداب لا يهدأ له بال ولا يلين، وسيُخلّد اسمه لقدرته المدهشة على التقريب بين وجهات النظر المختلفة بين الناس، وعلى خلق مواقف تمكنهم من النهوض بأدوار مؤثرة، لا يتسنى لهم أن يقوموا بمثلها لو بقوا منعزلين ومتوحدين. لا يمكن لأحد أن يمتلك قدرة الطيب صالح على تحويل خرائب أية هزيمةٍ إلى نوعٍ ما من الانجاز، هذا التخليد لن يتم فقط بسبب أعماله الأدبية على قلتها، رغماً أن روايته موسم الهجرة قد احتلت مكانةً رفيعةً في المنجز الروائي العالمي مع (مدام بوڤاري) للفرنسي غوستاف فلوبير، و” أنا كارنينا” للروسي ليو تولستوي.

لم يكن، أبداً، يركن ويرتاح إلى الانتصار الأخلاقي المحض، كان واقعياً إلى درجة عظيمة في فهمه للعنف القاسي والمتعمد. كان يؤمن باللقاءات الحقيقية والصادقة بين الناس، وكان يغمره الابتهاج حينما يجد أي شخص يلمح فيه بشارة أو موهبة، لأن ذلك كان يمنحه فرصةً لتفجير ما هو مخفيّ داخل هذا الشخص ،ويجعل منه شيئاً ساطعاً. كان متفائلاً بطبعه، وحتى حينما تضطره المواقف لتبني لهجةً أبوية، فإنه يفعل ذلك على نحوٍ بالغ الحنوّ، ولا ينتابك أدنى إحساس بأن الرجل يعلن عن أبوته بشكل يمكن أن يخالطه الاستبداد. كانت هنالك روحاً عطوفةً تكمن وراء ذلك المزاج العذب والمسالم. كان الطيب صالح يقف مثل إدوارد سعيد، ومحمود درويش قبله، رمزاً للحيوية والحراك والقدرة على الاكتشاف وتحمل المخاطر.

سيظل الطيب صالح، في إبرازه لسرديِّة العالم العربيّ، نموذجاً يجب تكريسه بوصفه فكرةً، وليس شيئاً ننحني أمامه، بل شيئاً نعيشه ونُعِيد تفحصه على الدوام. إن الفهم الحقيقي للطيب صالح يعني إعادة تمثيل دراما النضال والتمسك بالمبادئ التي استغرقت الطيب صالح طوال حياته، وذلك فعلٌ يتأتّى، ليس عبر استنساخ هذه الدراما، ولكن عبر معايشتها بشكلٍ جديد، الأمر الذي يفضي إلى انفتاح هذه الدراما على فضاءات من المراجعات المستقبلية والتأملات النقدية. يُجَسِّد لقائي بالطيب صالح في باريس في العام 2002م نعمةً كُتِبَ لها الدوام. كان ذلك اللقاء انتصاراً، قد يبدو ضئيلاً، لكنه انتصار على كل حال.

جوهرياً، نجد أن الكتاب يستسلمون لغواية الكتابة عن الشرط الإنساني (جويس، سارتر، بالدوين) لكن القليلون يفعلون ذلك دون الوقوع في أعماق دوّامة الوعي الذاتي. تمكن الطيب صالح، رغماً عن مصاعب هذه الدوامة، من إنجاز مشروعه الكتابيّ بنجاح. إن انجاز الطيب صالح لهذا المشروع (في زمنٍ كانت فيه الظروف التي ألهمته كتابة عمل مثل موسم الهجرة، الذي اعتلى تلك القائمة من الأعمال الروائية التي تتناول مأزقنا الحالي) يرغمنا، شئنا أم أبينا، على الولوج في عوالم من الانشباك الثقافي المحموم. يحثّنا الطيب على الإدراك وتوخي الحذر من الوقوع في شراك الأخطار، ومزالق النزعة الدوغمائية والتعصب والاعتقاد الراسخ في تمتعنا بالاستقامة والطهر. علاوة على ذلك، فإن الطيب صالح لا يجعلنا ننسى جميعاً، بغض النظر عن جنسيتنا وديننا ونوعنا البشري، بأننا قادرين على التصرف وفق دوافع موغلة في شكوكيّتها وبدائتها، وأننا نسلك أنماطاً من التفكير لم يكتب لنا أن نتخيلها في يومٍ من الأيام.

حقاً فإن الجملة الروائية الأولى في موسم الهجرة التي تقول: “عدت إلى أهلي يا سادتي بعد غيبة طويلة” تَعِد القراء (أو تهدّدهم) بنمط من السرد يمكن أن نتوقعه من روائيين آخرين تناولوا موضوعة المواجهة مثل جوزيف كونراد، وإيڤيلين وُوْ، وف.س نايبول، وإ.م فورستر، وألبير كامو، اللذين كتبوا أعمالاً كولونيالية تحاول أن تشق طريقها إلى (قلبِ ظلامٍ) ما يجدون فيه العزاء.

لكننا، مع تقدم السرد، يمكن أن نَلْحَظَ الرواي وهو يَفْتَرِق عن أهله ليدخل إلى تخومٍ فريدةٍ تَحُفُّه هو وحده، وذلك كونٌ أخلاقيٌّ لا يختاره إلا القليلون مكاناً للسكنَى.

إن كُتَّاباً مثل الطيب لا يكتسبون أهميةً لمجرد أن أعمالهم ازدهرت على أرفف المكتبات، واعتلت قائمة المبيعات، لكن أهميتهم تكمن في كشفهم طبيعة عالمٍ عادةً ما يتصادم مع بعضه البعض.

بالنسبة للطيب صالح، فإن السفر داخل الغرب يعني الكشف عن ارتباط الغرب بالعالم، وذلك ما يمكننا الحصول عليه في ولع جوته بالشعراء الصوفيين، وهوس بورخيس الذي قاده لأن يصدر كتاباً أسماه (أجلالاً لشاعر القرن الثاني عشر الصوفي الفارسي فريد الدين العطار).

هل أصبح التقارب بين الإسلام والغرب يتخذ شيئاً تعوزه القيمة ويجسِّد شكلاً مختَزَلاً في كلا الجانبين من (الفَالِقْ الثقافي)؟ حتى لو كان الأمر بهذا الشكل، فإن ملاحظتي الأخيرة في وداعي لكاتب شامخ ينأى بنفسه عن النزعة التشاؤمية، ستتمثل في ما قاله إدوارد سعيد عن المثقف بوصفه معارضاً: “إن المثقف هو نوع  من ذاكرةٍ مضادةٍ تحمل خطابها المضادّ الخاص الذي يؤرق الضمير ويمنعه من الاستسلام للنوم”. تُجَسِّد هذه المقولة في عمقها موقفاً يستحق الألم الذي عاناه الطيب صالح وهو يقوم بموضعة شعرية الاكتشاف التي منحها الطيب صالح جلّ وقته حتى لحظة رحيله الفاجع في لندن وهو محاط بأسرته والذين أحبوه وتعلقوا به.

في يوم كئيب مثل هذا اليوم، في مدينة لاس فيغاس، يجد المرء نفسه مدفوعاً لترديد ما قاله هوراشيو وهو يودع صديقه هاملت:

عِمْتَ مساءً أيها الأمير العذب

وليغني لك رتلٌ من الملائكة حتى يداعب النوم جفنيك.

مصطفى مَرُّوشي: أكاديمي تونسي، يعمل ويقيم بالولايات المتّحدة الأمريكية.

كُتب هذا النص يوم 23 فبراير 2009م عقب رحيل الطيب صالح.

Leave A Reply

Your email address will not be published.