رجل في حياتي …الطيب صالح

0 107

بقلم : رابح فيلالي / واشنطن

أعرف السودان أكثر مما أعرف وطني الام الجزائر ولذلك قصة غريبة التفاصيل واحدة من أسبابها أنني كنت دائم الصلة بالسودان والشأن السياسي السوداني بصورة أحيانا كانت تدفع الكثر من أصدقائي السوداننين العديدين الى تقديم اقتراح الحصول على الجنسية السودانية وتتويج قصة هذا الحب الكبير التي تجمعني بهذا البلد الكبير الذي قدرت له أحكاام الجغرافيا أن يتوسط عوالم ثلاث مختلفة الخط الحضاري السياسي والاجتماعي .

في السودان وحده تجمعك الجغرافيا بنقطة التقاطع النادرة بين ٍافريقيا من جانب والعالم العربي من جانب اخر وفي السودان وحده أيضا تكشف لك الجغرافيا عن خيط الصلة العميق بين العالم الاسلامي وبقية القارة السمراء وفي السودان وحدة أيضا تتشكل خريطة من الاعراق الانسانية والاجتماعية تشكل خليطا حضاريا يدفع في الكثير من حالاته الى التامل طويلا في تركيبة هذا البد الاسثتنائية بكافة المقاييس .

لقد شرفني الاصدقاء السودانيين بالمحبة الواسعة في قلوبهم خلال زياراتي المتعددة الى السودان من دارفور في الغرب الى جوبا في الجنوب مرورا عبر نيروبي مرورا دائما وليس عابرا بالعاصمة الخرطوم وكان من أوجه المحبة عند الاصدقاء السودانيين أن أكون دائم الاطلاع على تفاصيل المشهد السياسي في السودان الى حد الذي جعل أحد المدراء السابقين الذين تشرفت بالعمل معهم في قناة الحرة أن يسالني مع مطلع كل صباح جديد وأنا أدخل الى غرفة الاخبار ما هو جديد الخرطوم؟

هذه التوطئة أجدها اكثر من مناسبة وأنا أريد أن أسجل بعض مواجعي العميقة في فقدان الكاتب العربي الراحل الطيب صالح .

الطيب اسم لجأت اليه والدته الكريمة بعد أن فقدت ا ثنين من أبنائها على التتابع وعلى طيبة أهل السودان تعتقد الامهات منهن أن تسمية الطفل اللاحق بالطيب سوف يعطيه فرصة الحياة وهي نفس القصة حدثت معي شخصيا عندما أنقطعت الخلفة عن أمي بعد خمسةعشر سنة من الزواج فكان نذرها على الله أن تسمي مولودها البكر برابح وتلك واحدة من عادات نساء شرق الجزائر وهي الجهة التي تتحدر منها عائلة أمي .

الطيب اختارت له أمه الطيب اسما وكان الرجل في حجم الاختيار بعد أن من الله عليه وعلى أمه بطول العمر والنجاح الذي تجاوز جغرافية السودان البلد الاكبر جغرافية في القارة الاكبر جغرافية في العالم .

عاش الطيب القروي الهادئ المسالم في جلبابه الاصل ولم يحاول أن يخلعه يوما غزا كل المدن الباردة والدافئة من عمق لندن وضبابها المزمن الى فضاء الدوحة المتسع حرا الى سماء أبوظبي المزدحم رطوبة الى فضاء باريس المتراكم بعناوين الجن والملائكة .

في كافة هذه المحطات كان الطيب واحدا لايختلف ولايتغير كثير الاستماع الى من هم حوله كثير العطاء الى كل قادم الى مجلسه ويتساوى في الامر القادمون الى مجلسه للمرة الاولى أو العابرون الى هذا المجلس للمرة الالف والعادة عند الاصدقاء في السودان وان اختلفت بهم عواصم الدنيا هي فيض هائل من الحميمية في التواصل وكاني بالزول السوداني لايجد داته الا هو محاط بالسوداني وتلك ميزة تحسب في رصيد أخلاق وسير أبناء النيلين .

في الطيب تجد المستمع الجيد كما تجد أيضا الانسان المتسع متسع في مساحة الحضور اليك كانسان يشاركك البوح والمكاشفة للوجع ان كان في القلب جرج يستدعي أن يستمع اليه وما أكثر الجراحات التي تسكن القادمين من مختلف عناوين الجغرافيا العربية .

عندما التقيت الرجل وهو شرف اعتززت به دائما ا قتربت لحظة من معلم رسمت له ملامح من نور في مخيلتي الشخصية وأنا يافع في مرحلتي الثانوية أقرأ رواية موسم الهجرة الى الشمال للمرة الثالثة على التوالي ومن غير انقطاع وأحاول أن أمررها على الزملاء في الاقسام الادبية قدر ما اتسعت طاقتي لذلك كنت أقول بوعيي المحدود في الرؤية والزمن حينذاك أن من لم يقرأ هذه الرواية أضاع نصف العمر أما النصف الاخر فسيظل معلقا ولن يعود الى صاحبه الى حين قراءتها .

أستحسن مني الرجل التفاصيل التي كنت أعيد صياغتها بمفرداتي عن موسم الهجرة وهو يسمعها مني باسلوبي في الرواية وعاد ليقول في أدب أهل السودان وكرم أخلاقهم يا رجل هذا لطف منك.

كنت أقول للرجل أن الشمال كان في نظري حينذاك مسألة تثير في كل المخاوف والقلق على أساس أن الميراث الثوري لعائلتي الشهيدة والمجاهدة في مكافحة الاحتلال الفرنسي للجزائر جعلني أرى من خلال قصص أمي وأبي عن فترة الاعتقال في السجون الفرنسبة والاصابات الجسدية خلال حرب التحرير جعلني أعتقد دائما أن علاقة طبيعية بين الشمال والجنوب ستكون مستعصية على عملية الترميم أو البناء.

كان الطيب صالح في روايته يأخدني الى حيث اسئلتي القلقه والتي يعجز أفراد عائلتي عن الاجابة عليها حول ماهية العلاقة المستقبلية بين ضفتي البحر الابيض المتوسط شماله وجنوبه .

بالنسبة لعائلتي ان الجرح أكبر بكثير من الانتصار على ألامه أما بالنسبة لي ولغيري من أبناء جيلي فان العلاقة الشمالية بالجنوب تحتاج الى اعادة صياغة انطلاقا من متغيرات أوجدتها متغيرات الانسان تحولات الزمان والمكان .

وحده الطيب صالح على بعد المسافة بين ثالوث المكان من أم درمان ا الى لندن الى جبال شرق الجزائر حيث قضيت جزءا من حياتي مع و الدي كان يجيبني عن أسئلة هذاا القلق .

الطيب صالح وحده علمني المفهوم الاخر للعلاقة مع المحتل السابق علاقة تقوم على الافادة من أدواته اولها اللغة وحده صاحب موسم الهجرة الى الشمال بلغته الانجليزية الثانية أعاد ترتيب كينونتي الداخلية عندما علمني أن الاعجاب بلغة العدو التاريخي السابق مسألة تخلو من صفة الخيانة .

أحب الطيب صالح الانجليزية كحالة عشق عميقة جدا و وأجاد بناء علاقة من عشق متصل مع لغة المستعمر السابق لبلاده وذلك قاسم اخر أسترك فيه مع صاحب موسم الهجرة .

كانت هذه هي ملامح العلاقة الوجدانية التي جمعتني بالطيب صالح وأنا أقطع طريقي باتجاه العشرينات من عمري وأبدأ محاولات الاجابة عن أسئلة القلق في الهوية والكيان الحضاري.

في موسم الهجرة قال لي الطيب صالح حينداك تحدث الى الاخر على ضخامة الموروث الذي يجمعك به وتجاوز أناك بصدقية انسانك حينها فقط يمكن لك أن تتجاوز عقدة الماضي الحزين وتستطيع أن تقترب من لحظة انسانيية تتصف بالايجابية في التعامل مع الموروث المؤلم في علاقات الضفتين الشمالية والجنوبية من البحر المتوسط .

بهذه الروح قابلت الراحل وبهذه الخلفية استمع الي صابرا وأنا أحاول أن أعطي الابعاد المتعددة للرواية الخالدة كما قرأها أبناء جيلي في الجزء الشمالي من القارة السمراء والذي لابيعد سوى مسافة قطع البحر عن الجزء الجنوبي من الجنوب الاوروبي .

وجدت في الرجل اضافة الى خصلة الاستماع العميق خصلة التواضع وتلك مسالة يعيدها هو شخصيا الى ارتباطه العميق ببيئة ريفية قال عنها دوما أنه لجأ الى الكتابة تعويضا عن بيئة امن يقينا أنه لن يقدر على العودة اليها يوما.

ما أجمل ان تكون ملكا متوجا على رؤية انسانية تملا العالم ضجيجا من حولك وفي اللحظة أياها أنت تملك المفاتيح الهادئة لداتك بصورة تجعلك دائم التصالح مع انسانك ومع كافة من هم حولك.

تلك هي المشاعر التي ملات قلبي وأنا أستمع الى الطيب صالح حقيقة انسانية حية بعد تجاوز الحالة الوجدانية التي عاشت معي طيلة فترة تشكيل كياني الابداعي وحتى الانساني .

لم يكن الطيب يريد يوما أن يتجاوز انسانه بأية صفة من الصفات فعلى كثرة أزمات السودان على الاقل منذ فترة ارتباطي الشخصي بهذا الجزء من القارة السمراء كمراسل صحفي اختلف الكثير من الاشقاء في السودان بكل أشكال الاختلاف من السياسي الى العسكري الى الانساني الى القانوني لكن وحده الطيب ظل ابن السودان الذي لايريد أن يضيف الى النار أي قطرة من زيت .

ظل الرجل عند مسافة الوسط من كل الخلافات ظل السودان قضيته وحتى عندما قررت السلطات السودانية منع أشهر كتبه عن طلبة جامعات السودان رفض الرجل أن يخوض في التفاصيل وعندما عاد رجال الخرطوم عن قرارهم كان الرجل طيبا حتى في كلماته التي استعملها في التعامل مع قرار المنع أولا ومع قرار التراجع عن المنع لاحقا .

يحيلك الطيب صالح الى حالة التساؤل الى أي مدي تستطيع المحبة أن تتجاوز الوجع الشخصي عندما يتعلق الامر بالاوطان ولذلك ليس غريبا مثلا أن يكون الطيب صالح وهو الرجل الذي كان يقول لي الكثير من أصدقائي من مثقفي السودان بالكثير من الاعتزاز انهم من بلد الطيب صالح .

تحول الرجل الى وطن لابناء وطنه وتحول اسمه الى انتماء بديل عن الوطن الام الى هذه المرتبة ينظر الكثير من أصدقائي في السودان الى الرجل الراحل .

قلت ليس غريبا مثلا أن يكون الطيب هو أقل الاسيماء السودانية وغير السودانية حديثا في الشأن السوداني على الفضائيات وذلك خيار سلوكي يستحق التفكير ويستدعي الاحترام .

وحده البطيب صالح صنع خياري الاخر بالتنوع في الامكنة كنت دائم الحلم أن يتسع العمر بوالدي حتى أنعم بالحياة قربهما عل مشارف الشمال القسنطيني في الجزائر لكن موسم الهجرة وحده قاد خيالي في تلك المرحلة من العمرالى قناعة تقول ان الوطن يتجاوز مفهوم المكان وأن البديل الممكن قد يكون في شمال فرجينيا كما يحدث معي الان .

عندما تكون علاقتك الشخصية بكاتب ما الى هذا الحد من الوجدانية والعمق والتوغل في الحضور وتكرمك الحياة بفرصة لقاء الرجل لاكثر من مرة واحدة وتلتقي مع أغلب الامكنة التي ساهمت في صناعة رؤيته للعالم والانسان على ضفتي النيلين الازرق والابيض وعندمكا تلتقي بالعشرات من أصدقاء الرجل في الخرطوم وخارج الخرطوم تؤمن يقينا لحظتها أن الحياة أحيانا كريمة عليك بصورة تتجاوز توقعاتك .

عمي الطيب وحدك علمتني باكرا ألا أخاف ان كان اطار حلمي في المدن الواسعة رغم خوفي من ركوب الطائرة والابتعاد عن مكان لاترى فيه الشمس وجه أمي كنت أقول هذا الرجل أتى من خلف قرية يرعي أهلها الاغنام مثل أهلي ويفلحون الارض مثل أمي وأبي استطاع أن يمد كافة الجسور مع الشمال وهو الجنوبي المتخم بقيم الطفولة والقرية والفضاء الواسع والحقول الخضراء .

علمني الطيب أن أحمل أحلامي على أكتافي ألا أخاف غير المعقول منها قبل أن أؤمن بالطبيعي منها وأن أحاول أن اسمع صوتي عاليا حديثا خطابا كتابة حبا أو عشقا لان في كل الحلات كان يتوجب على أن أوصل الرسالة الى الجهة الاخرى .

في رحيل الطيب صالح حلم لم يتحقق كنت أتمنى أن يتحدث الي الرجل عن رؤيته لازمة دارفور وهي أزمة ارتبط بها اسمي صحفيا حيث كنت أول صحفي غير سوداني يدخل الاقليم المضطرب في بداية الازمة صيف العام الفين وثلاثة مانع الرجل وطلب التاجيل في أكثر من مناسبة الى ان كان للموت سلطة وكالعادة أكبر من سلطة كريم أخلاق الطيب صالح وقدرتي الشخصية على انتظار كرم اضافي من الراحل بالحديث عن أزمة لاأزال أؤمن يقينا أنها تحتاج الى جهد انساني جماعي حتى يستطيع السودان تجاوز مضاعفاتها على مستقبله و على كيانه السياسي المتحد .

الان تحديدا أخاف أن أتحدث عن الطيب صالح كحالة راحلة لان الرجل الذي فضله أبناء وطنه عنوانا وانتماء أكبر من الموت و كلمات الوداع ولكن بحسابات الغياب والحضور سيكون الطيب صالح بعد الان انسانا جميلا شرف عالمنا اليومي بالعبور عليه اسمعنا روؤاه تتابعا علمنا الكثير من عوالمه أحالنا في الكثير من محطاته الى الحقائق الانسانية الثلاث التي تعلمتها بصورة مختلفة من الرجل وهي المحبة التواضع والتسامح .

في كل مرة أنزل فيها الخرطوم كنت دائم السؤال لنفسي في صمتي هذه المدينة وحدها تعرف الطيب صالح أكثر من كافة مدن الدنيا وهذه الخرطوم وحدها حجزت لنفسها مكانا أبديا في قلب الطيب صالح حتى وان عاش الرجل في صورة المواطن العالمي أكثرمنه مواطنا سودانيا ولكن هذه المدينة وحدها ستقول لي في كافة أسفاري القادمة الى الخرطوم هذه المدينة وحدها هي التي تشرفت بالنومة الابدية لانسان كان أبدا جميلا متسامحا مبدعا شفافا كان بيننا هنا وأختار أن يرحل كائن اختارت له أمه الطيب اسما فكان طيبا وبامتياز من المهد الى اللحد تلك حكايتي أنا مع الطيب صالح مبدعا وانسانا

Leave A Reply

Your email address will not be published.