دلالة المسافة في القرآن الكريم

0 70

 د. عاطف بابكر جميل الإمام

  تضمن القرآن الكريم ذكراً للعديد من المفاهيم والمصطلحات التي تشير إلى الدلالة التواصلية للمسافة ويغلب على هذه المصطلحات طابع العمومية التي تترك أثراً عميقاً عند المتلقي عندما تستشعر عظمة المسافة في قوله تعالى: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) سورة الحديد الآية: (21) وهي مسافة بالغة الكبر، أو يستشعر قصر المسافة في قوله تعالى: (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ ) ويلاحظ أن الحديث عن المسافات لا يستخدم مقاييس المسافة إلا في حالات نادرة مثل مقاييس الذراع أو البرزخ أو مسيرة الأيام والليالي؛ مما هو شائع ومفهوم لدى متلقي الرسالة القرآنية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إذ لا وجود لاستخدام مقاييسنا الوضعية الراهنة الإنجليزية التي تبدأ بأجزاء البوصة وتنتهي بالميل أو الفرنسية التي تبدأ بالمتر وتنتهي بالكيلوجرام أو الكونية التي تقاس بسرعة الضوء أو المجهرية التي تحسب كجزء من المليون من الملمتر.

ففي الآية الرابعة من سورة الحديد اقترن الذكر الموافق للتواجد في المكان والأبعاد المرتبطة به كالمسافة والزمان بالذات الإلهية إذ قال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ).

وورد في القرآن لفظة (هنالك) للتعبير عن الإرتباط الوثيق بين بعدي الزمان والمكان في (هنالك) اسم إشارة للمكان أي بمعنى في ذلك المكان وغالباً ما ترد في القرآن الكريم بهذا المعنى عن الحديث عن أمر حدث في الدنيا، وهي تتضمن كذلك الإشارة إلى الزمان الماضي وأما عن أمر سيحدث في الآخرة فإن هنالك تفيد المكان والزمان معاً.

  فوفقاً للمعنى الأول ورد قوله تعالى في الآية (38) من سورة آل عمران: (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) وورد في الآية (119) من سورة الأعراف عن فرعون وقومه: (فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ) أما المعنى الثاني فقد ورد قوله تعالى في الآية (30) من سورة يونس (هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ) وفي الآية (44) من سورة الكهف: (هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ).

وقد ورد في الآيتين الثامنة والتاسعة من سورة النجم وصف رائع للقاء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وجبريل عليه السلام إذ قال تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ؛ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ).

   وأقصى مكان ورد ذكره في القرآن الكريم سدرة المنتهى التي بلغها الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أُسري به قال تعالى في الآيتين (13، 14) من سورة النجم: (وَلَقَدْ رَآهُ نـزلَةً أُخْرَى؛ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى) وتضمن القرآن مقياساً واحداً من مقاييس المسافة المتداولة عند الناس، وهو الذراع الذي كان ولا يزال يعتمد عند العرب كأحد مقاييس المسافات قال تعالى في الآية (32) من سورة الحاقة: (ثُمَّ فِي سِلْسِلَة ذَرْعهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ) وفي سورة سبأ تبيان لمدى مزاجية الإنسان وبطرانه بالنعم عندما يميل من قرب المسافات ويبحث عن مباعدتها وكأنه ملّ الراحة فيطلب المشقة افتراءً وجحوداً.

قال تعالى عن قوم سبا في الآيتين (18 و19) من سورة سبأ: (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا).

Leave A Reply

Your email address will not be published.