قم للمعلم وفه “التبجيلا” كاد المعلم أن يكون رسولا

0 265

أ.د. حيدر الهادي بابكر

ذاكرة الأنسان تمثل جزأ مهما من مراحل تطوره تتقد تلك الذاكرة في مرحلة الشباب كاتون متقد، تستوعب وتحفظ أكبر قدر من الذكريات أكبر من أي جهاز حاسوب عرفته البشرية وكلما تقدم العمر تبدأ هذه الذكريات المخزونة في الخمود وتتلاشى تباعاً ويصبح من الصعب استرجاعها.

فقط تظل المحطات الكبيرة في الحياة ببيئتها وإنسانها باقية في الذاكرة، وتظل تتدفق شلالات لاينضب معينها،  ليست الطبيعة وماحولها مايفسر هذا الأمر تحديداً؛ بل بعض الشخوص الذين حفروا بأظافرهم لتخلد أسماؤهم في هذا المسرح الخالد وتؤثر سلباً أو إيجاباً في مسيرة الشخص وترسم مستقبله.

تلكم المقدمة سطرت حياتي أسوة بالآخرين، سأحدثكم عنها في هذه العجالة التي أتيحت لي وأنا بها جد فخور، فإن أنسى لا أنسى أهم مرحلة في حياتي مرحلة الدراسة الثانوية في النصف الأول من منتصف سبعينات القرن الماضي في حنتوب الثانوية وما أدراك ماحنتوب. حنتوب ذلك الحلم المستحيل كلها ذكريات رائعات لا تنسى ونحن في بواكير النضج والوعي والإدراك. لازالت محفورة بالذاكرة ولازال القلب يخفق إذا ذكر اسمها لما لا فهي تعني امتلاك القدرة على ارتياد الآفاق. 

كنت ولا زلت أسأل نفسي عن هذا السر الذي اتخذ من حنتوب اسما فعرفت بعض كنهها واستعصى علي البعض لكن كان محور كل ذلك الذي يمثل القلب النابض الذي يبعث الحياة ويجدد شبابها هو الأستاذ . فقد انعم الله علينا بصفوة من الأساتذة كل واحد منهم يمثل أمة قائمة بذاتها .

      كنت أدلف لفصلي الذي كان يحمل اسم أعظم طبيب عرفته الإنسانية ذلكم هو (أبوقراط) وفي طريقي كنت أمر يومياً بمكتب شعبة الجغرافيا فألمحه منكباً على أوارق أمامه يشدني إليه شيء لا أعرف كنهه حتى لفت نظري رفيق لي كان يحمل كتاب: (جغرافية حوض النيل والتنمية الاقتصادية في السودان) حيث كنا نقلب صفحاته نتدارسه في أنس ومتعة فكنا محبين للعلم ننهل منه ما شاء الله لا نستثقل منه شيئاً أبداً؛ ولعل هذا كان أحد أسرار التفوق لهذا كانت حنتوب ببنيها تتوشح بتاج الفخار وكانت الأولى على الدوام في ذلك الزمان..

قرأت اسم أحد المؤلفين لذلك الكتاب واسمه أستاذ الطيب علي عبدالرحمن الشهير بـ (البقاري) . قال لي رفيقي ألم تعرفه؟ أجبته بالنفي فضحك ساخراً من جهلي وأوضح لي أنه رئيس شعبة الجغرافية بالمدرسة فقلت في سري سبحان الله. وتغيرت نظرتي من طالب مندهش لطالب يشعر بالفخار وهو يستشرف مستقبله أن يكون أحد طلاب هذ الأستاذ جليل القدر، فأصبحت متأملاً في شخصه وقدراته وما ميزه عن زملائه محاولاً سبر غوره فعرفت أن هذا أمر صعب يحتاج لسفر كبير يحكي قصة هذا الأستاذ العصامي المتميز.

مرت السنوات وقدر الله لي أن اجتاز كل العقبات وأن اتخرج في كلية الطب جامعة الخرطوم والتي عدت إليها مجدداً لنيل درجة الدكتوراة السريرية في طب الأطفال. وتنقلت من بعد في أنحاء كثيرة من العالم حيث قيض الله لي أن أسافر لأماكن متعددة شرقا وغرباً متدرباً في أمراض المخ والأعصاب في الأطفال كتخصص دقيق. وشاء الله أن التحق بجامعة الجزيرة كلية الطب عضواً في هيئة تدريسها وماكنت أعلم ان هذا سيتيح لي فرصة لقاء أستاذي الطيب علي عبدالرحمن الذي سبقني أستاذاً متعاوناً بكلية التربية في نفس ذاك المكان الخالد حنتوب.

 وتوثقت علاقتي به وعرفته عن كثب ولا زالت الذاكرة تتداعى تحمل صورة جلسته في مكتبه وأنا أسير مسرعاً لفصل أبوقراط، وقرأت له من بعد درراً من الكتب الخالدة عن حنتوب الجميلة والتي أصبحت بعضاً من روحه وجسده وعن إنسان السوادن هذا الوطن الذي أحب (السودان … التفرد والسماح أطروحة في حب الوطن) ثم متنقلاً للهموم التي تلف عالم اليوم كاتبا عن (العولمة … قدر أم اختيار) بكل محاسنها ومثالبها. إذا اطلعت على سيرته الذاتية ستدرك عظم التجربة وحجم العطاء الذي قدمه لوطنه وأمته.

اللهم احفظ أستاذي الطيب علي عبد الرحمن وأسبغ عليه نعمك ومتعه بالصحة والعافية ليعطي من علمه الغزير مؤلفاً وباحثاً ومحاضراً في كل ضروب الحياة واجعل كل ذلك ذخراً في آخرته.

أستاذ طب الأطفال وأمراض المخ والأعصاب

Leave A Reply

Your email address will not be published.