للقصة بقية.. الثقافات السودانية

0 50

مجتبى معتصم عوض

   بما أننا تحدثنا  في المقال السابق عن بعض الأشياء التي تعوق الحركة الثقافية في الدولة السودانية، واستشهدنا بنموذج ولاية الجزيرة؛ فحري بنا أن نذهب في سياحة حول قطرنا الحبيب للتعرف على بعض نماذج الحركة الثقافية لكل منطقة من مناطق السودان، ولكيفية التعاطي مع أشكال الثقافة المتوفرة فيها بفرضية البيئة المحيطة ودورها في تشكيل قوالب الثقافة  في تلك المنطقة  وفي شتى ضروب الثقافة إذا كانت غنائية أو شعرية وحتى المسرح وغيرها من أشكال الفنون ذات العلاقة بثقافة المنطقة..

فمن البديهي أن تلعب بيئة وطبيعة كل منطقة دوراً كبيراً في تشكيل القوالب الثقافية وتباينها، فمثلاً في الثقافة الغنائية وعلى حسب توزيعها الجغرافي نجد أن السودان يذخر بمجموعة من الإيقاعات؛ فمثلاً إيقاع الدليب في الشمال يحكي عن بيئة الشمال وتركيبته السكانية فرماله المترامية وجباله السامقة هي من شكّل هذا النوع من الإيقاعات، فطبيعة المنطقة وجغرافيتها شكلا إنسان تلك البقعة فعرف بالفراسة والشجاعة ونجد هذا في ثقافتهم الغنائية الذاخرة بتلكم القيم والموروثات.

كما نجد في أقصى الشمال صحبة  الربابة (الطمبور) لهذا الإيقاع حيث انسجام الإيقاع مع الوتر في لوحة ذات طابع شجوني وحن للبلد والأهل، فهذه المصفوفة هي بيان وتوضيح لحال أهل هذه المناطق مجسدة في تلك الأنغام الساحرة..

ويعتبر إيقاع الدليب السريع هو تجسيد لحيوية إنسان تلك المنطقة من قبائل الشايقية والبديرية حيث يظهر هذا جلياً في اندفاع الماء في الجداول، ومحاكاة سرعة القراع وحركة اندفاع الماء من الشلالات وهذا ما أثر على حركة الإيقاع وسرعته كأنما يحاكي إنسان هذه البقعة..

أما في الشرق الجبلي حيث قبائل الأبالة من هدندوة وبني عامر أمرأر؛ فالغالب عليهم إيقاع السيرة الحركي مقلداً سير أغنامهم وهرولة إبلهم مصحوباً برقص الرقبة استشهاداً بالإبل وطبيعة سيرها وزهوها بجمال عنقها.

كذا الحال في إيقاع المردوم في غربنا الحبيب فهو إيقاع سريع  يميل إلى التطريب الراقص فبيئة وطبيعة المنطقة هي أيضاً من روج لهذا النوع الإيقاعي المستوحى من ثقافة تلك المناطق..

وبالرجوع لنشاطات تلك البقعة نستلهم أن سكانها الغالبية منهم رعاة أبقار وبيع الماشية، ويظهر هذا جلياً  في إيقاع المردوم محاكياً لسير الأبقار وحركة الإنسان في التعامل مع ماشيتهم حيث نجد هذا النوع من الإيقاعات عند قبائل البقارة التي ترعى الأبقار ..

الجراري : من الإيقاعات الهادئة تحفه نوع من الرومانسية الفطرية يحاكي سير الإبل في تبخترها حركة رقابها عند المشي ونجد هذا النمط في بادية شمال كردفان لدى قبائل الكواهلة ( الأبالة) ويتبلور لنا إيقاع الجراري في أغنية (أم بادر ) .

إيقاع السيرة (الدلوكة) وهذا النوع منتشر في كل السودان ويترجم على حسب نوع العرضة والتي تتباين حسب نوع الإيقاع الأصلي الموجود في المنطقة المعنية وفي الغالب يكون نوع من العرضة اذا كانت صقرية أو قفز .
إذن نستشهد أن التركيبة السكانية والنشاط السكاني هي ما يحدد شكل إيقاع الموسيقى في كل منطقة على حدا..

صنف الموسقيون إيقاع التم تم بنمطين (خفيف-ثقيل ) أما النمط الخفيف من إيقاع التم تم نجده في وسط البلاد في الخرطوم والجزيرة وهناك قول بأن من أدخل إيقاع التم تم في الموسيقى السودانية هو
(فضل المولى زنقار ) في أغنية (سوداني الجوه وجداني)..

Leave A Reply

Your email address will not be published.