الخبير الغابي بروفيسور حسب الرسول في حوار الأرقام المخيفة

0 607

لا يقتصر دور الغابات على كونها تمثل غطاءً شاسعاً أخضر، ولكن لها مغزى اقتصادي، وصناعي، كما أنها تمنع تدهور التربة وتآكلها، وتحمي ينابيع المياه، وتحافظ على استقرار الجبال، وتساهم الغابة في تنظيم حلقات الماء، وبعملية النتح تلطِّف الجو وتضمن هواءً نقياً، وتعمل على صدّ الرياح وحماية التربة من الانجراف، وتوفر الغابات مواطناً لكثير من النباتات والحيوانات التي لا تستطيع العيش إلا فيها، وتحول الغابة الطاقة الشمسية إلي طاقة متجددة مكدسة على شكل خشب دون جهد الإنسان. حيث يستعمل الخشب منذ القدم لما له من قيمة اقتصادية. فالجذوع تستعمل لصناعة الأثاث والمنازل، أما الأغصان التي لها قطر حوالي 2 سم  تستعمل على شكل فحم وذلك لحاجيات منزلية كالتدفئة، الطهي، أفران الخبز التقليدية التي ترافقها انبعاثات غازية أقل من الوقود الأحفوري. فالغابة ليست مصدراً اقتصاديا فقط بل تراث طبيعي في المعالم السياحية، فهي مكان ترفيهي، ومقصد للسياح لممارسة عادات وتقاليد تختلف باختلاف الشعوب منها الشواء، التدفئة، جني الفطريات، الصيد، والاستجمام؛ وبحكم مشروعية الاحتطاب العقلاني يجوز ممارسة هذه العادات داخل الغابة، كما أنها تحد من تأثير المدافئ الخضراء والتي تساهم في (الاحتباس الحراري) في العالم. وعلى الرغم من أهمية الغابات، فمازالت التقارير تشير إلى التدهور المستمر في هذه المساحة الشاسعة، حيث أقرت الإحصائيات بأن نسبة الغابات التي تعرضت للتدهور وصلت إلى نصف مساحتها وخاصة خلال العقود الثلاثة الأخيرة. وانطلاقاً من هذه الأهمية أردنا تسليط الضوء علي دراسة الغابات في الجامعات، فكان هذا الحوار مع الخبير الغابي بروفيسور حسب الرسول فضل المولى مؤسس كلية علوم وتكنولوجيا الغابات بجامعة الجزيرة..

حوار: تسنيم عبد الرحيم بابكر

بروفييسور حسب الرسول فضل المولى مؤسس كلية علوم وتكنولوجيا الغابات

**فكرة عامة عن الغابات في السودان ؟

أرى أن كل العالم الآن يولي الغابات اهتماماً كبيراً جداً على المستوى الشعبي والرسمي، وعلى مستوى منظمات الأمم المتحدة، وهذا الاهتمام بالغابات أتى لأسباب كثيرة جداً تتعلق بالغابات وأهميتها في الحياة، وما حصل من تدهور للغابات نتيجة فعل الإنسان في حد ذاته، وفعل الطبيعة في بعض المناطق الأخرى، أما مساحة الغابات في العالم حالياً فتقدر بنحو 23% من مساحة الكرة الارضية باستثناء الغابات التي توجد في البحار والمحيطات مثل المنقروف ولها مساحات كبيرة جداً؛ وربما في السودان توجد على ساحل البحر الأحمر فقط، ولكن في آسيا توجد مساحات كبيرة من غابات المنقروف البحرية أما في اليابسة فتوجد 23% غابات، و80% توجد في نصف الكرة الارضية الشمالي في العالم الذي يملك التكنولوجيا الآن والتقدم العلمي. وإذا نظرنا إلي حالة الغابات في السودان نجد أن مساحتها الآن تقدر بنحو 8% من مساحة الكرة الارضية بعد الانفصال، هذه المساحة كانت تساوي 36% في عام 1985م بما فيها جنوب السودان والآن خلال ربع قرن من الزمان انحسرت هذه المساحات من 36%- 8% وهذا مؤشر خطير في بلد 90% من مساحته تعتبر بيئة جافة وهشة وسريعة التدهور. وانحسار الغابات بهذه الوتيرة هو أمر خطير جداً على مستقبل الحياة في السودان يشمل الإنتاج الرعوي، والحيواني، والزراعي، والصناعي. ومن مفارقات الحقائق أن العالم المتقدم تكنولوجياً يرعى الغابات في الريف لذا 80% منها موجودة والآن مساحة الغابات في النصف الشمالي من الكرة الارضية متزايدة على العكس تماماً في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية التي تتناقص بوتيرة 1.-3.% بمعني أننا في نصف الكرة الأرضية الجنوبي نفقد الغابات بسرعة بنسبة 1-4% سنوياً، ولكن في النصف الشمالي تتزايد هذة المساحة إلي 3.7%، ومعظم الناس في الكرة الارضية يعيشون في الريف ويعتمدون اعتماداً كاملاً على الغابات في أشياء كثيرة منها: المأوى، والطاقة، والمرعى، والإنتاج الزراعي، والمصنوعات الصغيرة، ومن باب أولى نحن الذين نعيش في الريف الاهتمام بالغابات والاحتفاظ بها على غير عادة الذين يعيشون في المدن. ولكن عندما نتساءل عن السبب في تدهور الغابات نجد أن هنالك عدم وعي بدور الغابات البيئي، فيما نجد في نصف الكرة الشمالي وعياً كبيراً جداً بالغابات. أما نصف الكرة الجنوبي فقد يكون هذا الوعي متواضعاً جداً لضغوطات الحياة، في حين أن الناس في نصف الكرة الأرضية الشمالي الآن يعيشون في مستوى رفاهية، وهذا لا يعد هاجساً أو مشكلة لكن نحن في نصف الكرة الجنوبي يشكل لنا هاجساً كبيراً، ودائماً موضوع الغذاء أهم من الموارد وصيانتها، فيكثر التعدي على الغابات من أجل إنتاج الغذاء، وهذا ما يحصل في السودان بصورة كبيرة جداً. وأذكر في إحدى السنين أنه قد تم تصديق (40) مليون فدان غابات لإزالتها، وزراعة الذرة لإنتاج الغذاء في سنة واحدة. أيضاً الآن الغابات انحسرت بصورة كبيره جداً نتيجة لتمدد الزراعة بالأخص الزراعة الآلية في الأراضي الطينية .

**مقاطعة:

**إبدال الغابات بالزراعة هل تم عن دراسة ؟

يتم التصديق بواسطة مؤسسات حكومية تسمى الزراعة الآلية، ووزارة الزراعة، ويتم الأمر قبل الرجوع إلي الهيئة القومية للغابات وهي الجهة المسئولة من الغابات، والتصديق يصدر من الجهات المختصة لإزالة هذة الغابات بدون أي دراسة، وقد يكون من صدق على ذلك شخص لم يرى الغابة بعينه ولا حتى موقعها، وهذا ما يجري في السودان، ومن مفارقات الأمر أنه تصدق قرى داخل الغابات لأجل مشاريع زراعية لأن الموظف الموجود في الزراعة الآلية لا يعرف الموقع إلا عن طريق الخريطة من غير دراسات أو صور أقمار صناعية ولا ميدانية، وربما تم تصديق إزالة غطاء شجري في مجرى مائي تعيش عليه قرى كثيرة جداً، وكثافة حيوانية كثيرة، والآن تشير الدلائل إلي أنه بعد مرور سنتين أو ثلاث سوف ينتهي المجرى تماماً فهذه هي المشكلة الاساسية .

**حدثنا عن انحسار الغابات في السودان ؟

 انحسرت الغابات في السودان بشكل كبير جداً، وما زال الانحسار مستمراً ومن مسببات انحسار الغابات، تقليل إنتاج الغذاء على المحافظة على الغابات، فانتشرت الزراعة الآلية، والتقليدية، والضعف الفني لإدارة الغابات بمعنى أن الإدارة القومية للغابات قد لايتيسر لها الاصطاف أو الأطر الاكاديمية الكافية التي تتواجد في كل موقع من مواقع الغابات، وإدارتها إدارة حسنة. وهذا قد يكون من مسببات التدهور وقد يكون ندرة في خريجي الغابات المؤهلين وندرة في الميزانيات المخصصة لكلية الغابات لتقوم بدورها. وقد تشكل بعض مناطق الغابات نوعاً من العوائق التي تؤدي إلي عدم إدارة هذه الغابات إدارة حسنة، وهما عاملين أساسيين البحث عن الغذاء وتأمينه، والضعف الفني في إدارة الغابات، ومفهوم العوامل الطبيعية الأخرى. ويعتبر السودان من المناطق الجافة، وفي مرحلة من المراحل يتصف بالجفاف الذي يقضي علي كل ما هو نابت، ونحن نتكلم عن الإنبات الطبيعي فهذا يؤدي إلي فشل كبير في الإنبات أو في إعادة الغطاء النباتي، أو الشجري، أيضاً يؤدي إلي ما يعرف بالضغط الرعوي، حيث تلجأ الحيوانات إلي أكل الاشجار، وهذا إذا ما تم على مستوى الضغط الرعوي يعني القضاء على هذا النبات أو الشجرة، أيضاً من الأشياء التي أدت إلي تدهور الغطاء النباتي الجفاف، وما ينجم عنه من ضغط رعوي وفشل الأوضاع الطبيعية ما أدى إلي الجفاف. وهنالك عامل آخر مهم جداً وهو الحكم الفيدرالي وقبله الإقليمي كانت لهم تجربة غير راشدة فيما يتعلق بالغابات وكل هذه الأنماط من الحكم تنظر للغابات كمورد جاهز يغزي الميزانية بما يحتاجونه من مال فهم يتعدون علي الغابات بالقطع بدون إحلال في حين أن الغابات تدار بخطط فنية متى تقطع، وكيف تقطع، وماذا تفعل بعد القطع وهذه الخطه تنفذ يوماً بعد يوم خلال دورة معينة وتستمر دورة الغابات حوالي (30) سنة أو أكثر وأتى الحكم الإقليمي، والفيدرالي، والمحلي بدون الاهتمام بالغابات كمورد طبيعي تجب صيانته، وإدارته إدارة حسنة، والانتفاع منه يستدعي وجود قرارات مدروسة عكس ما يحصل الآن فكانت هذه الأنماط من العوامل التي أدت إلي تدهور الغابات، وتعطيل إمكانيات الكادر الفني لأن الغابات كثيرة ومن حين لآخر ينشأ خلاف ما بين إدارة الغابات على مستوى الولاية أو المركز مع وزراء الزراعة أو الولاة في الولايات، ووزراء الزراعة في الولايات يعتقدون أنهم  مسئولون من الغابات مسئولية كاملة ولهم الحق في التدخل في إدارتها متى يشاءون، وقانون الغابات يعطي الحق الفني لمدير عام الهيئة القومية للغابات، وقد تطور النزاع وعطل بعض برامج الزراعة، والصناعة، والصيانة، والقطع، وغيرها وانعكس هذا سلباً على الغابات وإدارتها وبالتالي انعكس على تنميتها والمحافظة عليها، وأجمل ما قيل أن تدهور الغابات في السودان مرده التوسع الزراعي غير المدروس أو الضعف الفني في إدارة الغابات، والجفاف، وأنماط الحكم الفيدرالي، والإقليمي، والولائي في السودان.

 ** وتيرة الانحسار المتزايد للسودان إلى ماذا تردها؟

تم تعطيل إمكانيات الكادر الفني لأن الغابات كثيرة، ومن حين لآخر ينشأ خلاف بين إدارة الغابات على مستوى الولاية، أو المركز مع وزراء الزراعة أو الولاة، ووزراء الزراعة في الولايات؛ إذ يعتقدون أنهم مسؤولون عن الغابات مسؤولية كاملة ولهم حق التدخل في إدارتها متى يشاؤون، في حين أن قانون الغابات يعطي هذا الحق لمدير عام الهيئة القومية للغابات وبالأخص الحق الفني، فإذا ما تطور النزاع فإنه يعطل برامج الزراعة، والصيانة، والقطع، وغيرها فينعكس هذا سلباً على الغابات وإدارتها، وبالتالي ينعكس على تنميتها والمحافظة عليها، وأجمل ما قيل أن تدهور الغابات في السودان مرده إلي التوسع الزراعي غير المدروس، أو الراشد، والضعف الفني، والجفاف، وأنماط الحكم الفيدرالي، أو الإقليمي في السودان.

**وماذا عن تدهور حزام الصمغ العربي:

غاباتنا الآن تدهورت، وتتناقص كماً ونوعاً، وهنالك خطورة ناشئة تتعلق مباشرة ببيئة حزام الصمغ العربي، وبيئة حوض النيل. والسودان جزء من منظومة حوض النيل، وهو أطول مساحة في حوض النيل. وللغابات دور كبير في صيانة هذه البيئة لأنها خاصة وفيما يتعلق بحزام الصمغ العربي، حصلت إزاحة ناجمة عن دورات الجفاف المتكررة، وهو عبارة عن حزام بيئي معين يقع بين خطي عرض 13°و10° شمالاً، والآن أصبح بين 12° و10° وهذه الإزاحة ناجمة عن الجفاف الذي يؤثر على إنتاج الصمغ العربي لاحقاً بمعنى أن الإنتاج في الناحية الجنوبية، قد تحده بعض العوامل البيئية المتعلقة بالرطوبة، فكلما كانت الرطوبة عالية، تأخر إنتاج الصمغ العربي أو إفرازه، وكل ما اتجهنا جنوباً، كلما زادت الرطوبة (الجو- التربة)، وهما يؤثران في إفراز الصمغ العربي، بالتالي تأخر زمن طق الصمغ، وتأخر الإنتاج وهنا تكمن الخطورة. ومن المتوقع أن يخرج جزء كبير من حزام الصمغ العربي من الإنتاج ويؤثر على الاقتصاد السوداني. والآن الصمغ العربي من أهم المنتجات الطبيعية في العالم حيث تدخل في جميع الصناعات ومن بينها الأقمشة، والأدوية، والأغذية، وغيرها من الصناعات وذلك لأنه منتج طبيعي ليس فيه أي خطورة على استعمال البشر، وله خصائص متفردة جداً لا يمكن إنتاجها صناعياً رغم أن العالم قد حاول أن ينتج صمغاً صناعياً ولكن لم يوفق في هذه التجربة. وإلي جانب ذلك تتناقص مساحات أشجار الهشاب، وهذا ناجم عن الإنفجار السكاني، وفي السابق كانت الأسر تملك 20-100 فدان، ومع تكاثر الأسر تناقصت المساحة لأغراض إنتاج الغذاء، وفي السابق كانت تديرها دورة معلومة بين شجرة الهشاب، والمحاصيل الحقلية سواء كانت غذائية أو نقدية، أما الآن تدار هذه المساحات لإنتاج المحاصيل الغذائية خصماً على مساحة شجرة الهشاب. أما بيئة حوض النيل فهي بيئة خاصة تختلف عما حولها وأهم ما في هذه البيئة الغابات التي تنمو على ضفاف الأنهار رئيسية أو فرعية. والأشجار لها دور كبير في هذا الحوض يتمثل في استقرار مجرى النهر، ولو أزيلت يمكن للنهر أن يغير مجراه وهذا له آثاره السيئة على الزراعة بالذات البستانية.  وبيئة حوض النيل أيضاً مسار رئيسي لهجرة الطيور التي تحمى بواسطة قانون عالمي لأنها تدخل في إطار حماية التنوع الحيوي، وأيضاً في الاقتصاد من الناحية الترويحية. هذه البيئة في السودان قد تهدد بشيئين هما: الزراعة، وسد الألفية الثالثة لأن الغابات تروى رياً فيضياً، وكما ينظم جريان الماء في النيل الأزرق بحيث أن يكون طول السنة ما يستدعي أن تحبس كميات كبيرة من المياه خلف السد لتنظيم الجريان، وبالتالي يكون هنالك فيضان يغمر هذا الغابات ويؤدي إلي عطشها. أما منافع الغابات في السودان فتتمثل في أن 67% من الطاقة المستهلكة في المنازل، مصدرها الغابات، و80% من المواطنين في السودان يعتمدون على الغابات في خشب البناء، وثروتنا الحيوانية تعتمد اعتماداً كلياً في الصيف على الغابات، ولولا الغابات لما كان هنالك ثروة حيوانية ومثال ذلك في أبريل، ويونيو، ويوليو، لا يوجد علف أخضر للحيوانات إلا  في المزارع، وهذه هي شهور الحمل للحيوانات لتأتي مواليدها في بداية الخريف، ومن المعلوم أن فترة الحمل تحتاج لعناصر الكالسيوم- البوتاسيم- الفسفور- النيتروجين- التي لا توجد في تلك الفترة إلا في أغصان الأشجار. لكن إجمالياً تساهم الغابات بنحو 40% من العلف المستهلك سنوياً، ويعمل في الغابات أكثر من سبعمائة ألف شخص يعتمدون عليها تماماً في معيشتهم، وهو عدد هائل جداً. وللغابات منتجات كثيرة جداً في متناول يد المواطن في الريف، وقد قدرت هذه المساهمة الآن في الاقتصاد القومي بحوالي 11%، إذاً للغابات دور اقتصادي، بجانب دورها في الحفاظ على الثروة الحيوانية، والبيئة، وتوفير الطاقة، والمأوى للإنسان.

** حدثنا عن أسباب الانحسار المستمر للغابات؟

الغابات من الموارد التي ترتبط ارتباطاً كبيراً جداً بحياة الفرد وتنميته، وبيئه، وللغابات دور عالمي نحن الآن مسؤولين عنه ومتفقين مع العالم، وموقعين على اتفاقيات، وبروتوكولات دولية. وتجيء هذه في ظاهرة (الاحترار) الكوني، والحفاظ على التنوع الإحيائي، وصد زحف الرمال، ومكافحة التصحر، وحماية مصائد المياه. والآن هي مصدر 50% من مصادر الأوكسجين الذي ينتج في الكون، وهي (بالوعة) كبيرة جداً لثاني أكسيد الكربون الذي تستهلكه بكميات كبيرة وبالتالي تعتبر رئة لتنقية الجو كله، وتنقية الكون من الغازات السامة. ورغماً عن هذه الأهمية انحسرت الغابات انحساراً كبيراً ما يتطلب العمل للمحافظة عليها، وصيانتها بالإدارة الحسنة والانتفاع المبصر. وهذين العاملين محتاجين لمعطيات كثيرة جداً ومتشعبة؛ وأول هذه المدخلات هي: الأطر الأكاديمية المدربة تدريباً جيداً ومواكباً، وملتزمة التزاماً مهنياً، وأخلاقياً لا يتخلف عن العصر. وهذا المدخل يفرَّخ في الجامعات وليس من مدارس ثانوية وذلك لدور الجامعة الأساسي في القيام بتأهيل هذه الأطر التأهيل اللازم. وبالنظر لحال الأطر الموجودة في السودان والتي تدربت في مجال الغابات نجد أنها تميزت بشيئين وهما التأهيل الشامل وليس المتخصص، وقلة العدد. والآن نحن في عصر متخصص؛ وتأتي أهمية التخصص للاتقان في العمل والإبداع، والقاعدة الشاملة العريضة لا تؤهلك للإبداع، والعدد الذي تأهل في الجامعات السودانية لا يكفي أبداً فالنسبة لا تتجاوز 23% ما يعني وجود فجوة في هذا الجانب. وحوالي 77% من هذا التأهيل والتخريج للأطر الأكاديمية هو مسئولية الجامعة، أما بالنسبة لجامعة الجزيرة فإن ما يميزها هو موقعها الوسطي وهذا يعني الزراعة المكثفة بشقيها المروي والمطري، وتنوع التركيبة المحصولية، والمراعي الطبيعية فمعظم حيوانات السودان توجد في أواسط السودان، فضلاً عن إمكانية التصنيع الزراعي، والرعوي، والغابي، والحيواني. وهنالك ثروة صناعية ضخمة جداً تقوم على الزراعة بمفهوما الشامل وهذا أيضاً يتيح فرصة للتكامل. وللغابات دور في زيادة الإنتاجية في سيبريا في الاتحاد السوفيتي حيث تزرع الأشجار كضرورة لزيادة إنتاج المحاصيل وبالأخص القمح، ونجد أن الإنتاجية قد تضاعفت (4) مرات. والثابت علمياً الآن أن زراعة الأشجار مع المحاصيل يؤدي إلي زيادة الإنتاج. وهنالك إمكانية كبيرة جداً في وسط السودان لتكامل الغابات مع الزراعة. والغابات ليست أشجاراً تنتج منها الأخشاب فقط، وإنما لها منتجات غير خشبية مثل العلف، وهذا يدل على وجود أشجار رعوية لإنتاج العلف. ويمكن إنتاج كرات فحم من مخلفات الذرة، والقمح، والأخشاب، وهذا أمر مهم يقلل استهلاك الحطب، ويفتح المجال أمام استغلال مخلفات المنتجات الزراعية. إذاً كانت الجامعة تقع في إقليم وسط السودان، وهو إقليم المحافظة عليه مهمة جداً لدرء زحف الرمال، والتصحر. وموقع الجامعة الوسطي، يضع على كاهلها حملاً كبيراً جداً وهو تخريج الأطر الأكاديمية المؤهلة لإدارة الغابات إدارة حسنة والانتفاع منها انتفاعاً مبصراً، وهذا أمر شكل فهماً، وفكراً لدى الجامعة لتنشئ كلية في جامعة الجزيرة.

** إذاً ما هي أهداف إنشاء كلية لعلوم وتكنولوجيا الغابات؟

الهدف هو تأهيل أطر أكاديمية وبحثية تتصف بالقدرة المهنية والأخلاقية على إدارة الغابات إدارة حسنة مستدامة وفقاً للنظم البيئية القائمة، وذات مقدرات تقنية فاعلة في إضافة قيمة اقتصادية للغابات، والتوظيف الذاتي للخريج، وتفعيل دور الغابات البيئي. فالخريج عندما يتخرج من الكلية يكون له المقدرات الفنية والعقلية ليوظف نفسه توظيفاً ذاتياً وهذا حل لعدد من المشاكل من بينها العطالة، ودعم الاقتصاد السوداني بالمنتجات، وأن يضيف قيمة للغابات. والآن منتجاتنا الغابية كلها تصدر كمواد خام مثل الصمغ العربي، والقطران، والعرديب، وغيرها لتصنع خارج السودان فلماذا لا نصنعها نحن ونجعل لها قيمة مضافة؟. والعالم الآن قد ضج بالمواد الكيميائية وهو في تحول نحو استعمال المواد الطبيعية، ونحن في السودان حبانا المولى عز وجل بأشجار كثيرة جداً تنتج هذه الموارد الطبيعية، ونطمع في السنوات القادمة أن توجد محلات متخصصة لبيع منتجات الغابات المصنعة، ومن ثم تصديرها للخارج باعتبارها منتجات طبيعية وهذه واحدة من الأشياء التي تركز عليها الكلية في تأهيل الأطر. أيضاً الكلية أعطت اعتباراً كبيراً جداً للبيئات الموجودة وخصائصها وبالتالي الخريج الذي يتخرج في كلية قسم إدارة علوم الغابات يعي تماماً خصوصية هذه البيئات، ويدير الغابات إدارة حسنة وفقاً للنظام البيئي القائم خصوصاً وأن الغابات إنتاجها لا يقتصر على الخشب فقط وإنما يتعداه إلي العلف، الثمار، والصمغ، والزيوت، والعسل، والمواد الغذائية الأخرى، فالغابات نظم بيئي منتج. وفي زيارة لدولة يوغندا وجدنا أن اليوغنديين تمكنوا من الاستفادة من الثعابين في الغابات في إنتاج السموم، واللحوم، وهذا يدل على إمكانية الاستفادة من الغابات في أشياء كثيرة. وللكلية مقترح بأربعة أقسام تتمثل في علوم إدارة الغابات ويركز على كيفية إدارة الغابات الإدارة الكاملة والمستدامة، وقسم لتصنيع الأخشاب، فنحن نستورد الخشب رغم أن هذه المواد موجودة عندنا في السودان بكثرة، كما يعني أيضاً بصناعة الورق، ولب الورق، والألواح الحبيبية، والليفية. هذا بجانب قسم تكنولوجيا الأخشاب للدفع بالدور الاقتصادي الكبير جداً للغاية، وقسم منتجات الغابات غير الخشبية، فنحن نريد أن نضع يدنا على الصمغ العربي بالإنتاج والتصنيع قبل التصدير، ونضع يدنا أيضاً على القطران وغيرها من المنتجات، فهذا القسم يركز على المنتوجات الطبيعية، وكيفية الاستفادة منها. يضاف إلي ذلك قسم الغابات والبيئة، وهنا نريد تأهيل أطر أكاديمية في مجال تأثيرات الغابات على البيئة، وكما ذكرت سابقاً فإنه يمكن زيادة الإنتاج الزراعي، أو الرعوي، أو الحيواني، زيادة كبيرة جداً إذا قمنا بزراعة الأشجار مع المحاصيل، أو مع المراعي، أو الحيوان. وهذا يسمى بالزراعة الغابية، وهي نظم كثيرة جداً تزيد عن الـ(30) نظاماً تقوم كلها على أثر الشجرة على المناخ والتربة بالأخص الحرارة والرطوبة والرياح لأنها أصلاً ملطف فلا بد من معرفة كثيفة بما يعرف بالزراعة الغابية. أيضاً الغابات لها دور كبير في عملية التصحر، وهو عملية معقدة لكن ما هو الكائن الذي له المقدرة على استرجاع النظم البيئية إلي وضعها المستقر؟ والإجابة الطبيعية هي: الأشجار. وإذا أردنا مكافحة التصحر فلا بد من زراعة الأشجار وهو أمر يتطلب تقانات كبيرة جداً وأيضاً مساقط المياه وهي أيضاً تحتاج لتقانات عديدة. ونحن نتكلم عن الحياة البرية ودورها في الاقتصاد وفي حياة البشر، والآن الاقتصاد في كينيا قائم على السياحة في المحميات البرية فقط. إذاً ما هو دور الغابات في المحافظة على الحياة البرية. لا نستطيع الإجابة، ولكن إذا دربنا الأطر، وأهلناها يمكن أن تكون هنالك إجابة. هذا القسم قد يكون من الأقسام المهمة جداً ليس في السودان فقط، وإنما للعالم أيضاً، وقد ذكرت أن الغابات شأن عالمي وأكثر المنظمات العاملة في مجال التطوع تعمل في مجال الغابات، واعتقد أن جامعة الجزيرة قد وفقت في قيام هذه الكلية ونأمل أن ينتفع بها السودان والعالم.

** لماذا جاء قيام الكلية متأخراً؟

أنا لا أستطيع أن إجيب إجابة كافية، ولكن أشير إلي أن أي مؤسسة لها سياسة تدار بها، فجامعة الجزيرة لها سياسة تتدرج في إنشاء الكليات وفقاً لرؤيتها، ونظامها، واستراتيجيتها. فالجامعة بدأت بالطب، والزراعة، والاقتصاد، والعلوم والتكنولوجيا، بعد ذلك تدرجت في إنشاء الكليات وفقاً للمعطيات القائمة. والطب كانت كلية واحدة الآن أصبح الحقل الطبي والصحي خمس كليات لأن الحاجة أفرزت هذه الكليات ففي الوقت السابق لم نلتمس حاجة للمختبرات لكن لاحقاً أُنشئت كلية المختبرات لأهميتها وهذا ما جرى على كليات القطاع الزراعي كان في الماضي التركيز على الزراعة وهذا نتيجة لأهمية الزراعة مطرية، أو غير مطرية والآن فطنت إلي دور الغابات كمكمِّل لمنظومة القطاع الزراعي.

** هل يوجد تقاطعات بين كلية الغابات، وكلية العلوم الزراعية؟

لا توجد أي تقاطعات، وكتخصص ليس هنالك أي تداخل، ولكن هنالك تكامل ما بين الزراعة والغابات، والتكامل بين الغابات ليس قائماً على الزراعة فقط، وإنما على مناشط الحياة كلها فأين ما اتجهنا لا بد من الغابات، والآن لدينا ما يعرف بغابات الحضر والمدن لأنها ملوثة بعوادم العربات، ومخلفات المصانع، والنشاط الآدمي الكثيف داخل المدن، فلا بد من زراعة الأشجار وهي رئة ما يسمى بالحضر، ولها تقانات وعلوم تقام عليها، ولا يمكن للغابات أن تتقاطع مع أي نوع من النشاط والغابة دائماً مع الموارد الأخرى.

** ماذا عن بداية التعليم الغابي في السودان؟

بدأنا في عام 1976م والعالم بدأ قبل قرنين، أي في 1776م، وأول دفعة تخرجت كان عددها (19) خريجاً من الأجانب في العام 1979م. ومعظم الخريجين خارج البلاد يعملون في المنظمات العالمية. وأذكر أن من دفعتي ثلاثة فقط يعملون بالسودان أما البقية فهم خارج السودان لأنهم مرغوبون. ونحن قد بدأنا متأخرين جداً مع أن إنشاء الهيئة القومية للغابات آنذاك كان مصلحة الأحراش في عام 1902م.

** كلمة أخيرة؟

أود أن أعبر عن عظيم امتناني وشكري للسيد مدير جامعة الجزيرة- وقتها- بروفيسور محمد وراق عمر، وبروفيسور عثمان الأمين مقبول، لقد وعيا حاجة السودان لهذه الكلية فأتيا بمقترح إنشاء الكلية، ووقفا عليه فلهم جزيل الشكر، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا العمل في ميزان حسناتهم وأسال الله أن يوفقنا جميعاً. ومن المهم الإشارة إلي أن صحيفة أول النهار قد أوردت في عددها رقم (136) بتاريخ 21 يونيو 2015م في إحدى صفحاتها خبراً مصدره الوكالات بعنوان: مرحلة انقراض جديد للأرض تهدد البشر. يفيد الخبر أن كوكب الأرض دخل مرحلة جديدة من الانقراض حسب دراسة أجرتها ثلاث جامعات أمريكية أشارت إلي أن الفقاريات تختفي بمعدل أسرع بما يعادل (114) مرة من الطبيعي. وأفادت بأن الكرة الأرضية على مشارف مرحلة الانقراض الجماعي السادس العظيم. وتشير الدراسات التي أعدتها جامعتا ستانفورد وبرنستون وبيركلي أنه ربما يكون الجنس البشري من أوائل ضحاياها. مشيرة إلي أن آخر مرحلة من تلك المراحل حدثت قبل 65 مليون عام عندما محيت الديناصورات على وجه الأرض. وتفيد الدراسة أنه منذ عام 1955م، اختفى أكثر من (400) نوع من الفقاريات، وأرجعت الدراسة أسباب ذلك إلي تغير المناخ، والتلوث، وإزالة الغابات.      

Leave A Reply

Your email address will not be published.