اقتباسات

0 101

أ. د. عبدالله محمد الأمين النعيم

“في القرآن الكريم لا نجد مجالاً للقول بأن رسالة الدين التوحيدي رسالة رافضة وقاطعة للتاريخ الماضي من حيث هو كذلك، بل نجد أن القرآن يدعو الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من خلفه للاعتبار بشهادة التاريخ الاجتماعي الذي يقدم القصص القرآني نماذج له.

فالغرض العام من القصص في القرآن ليس التسلية وإنما غرضه الأساسي أن يصل الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه ومن بعده من المؤمنين بالعمق التاريخي: ( ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون)..

والقرآن ينفي أن يكون صخرة تسد فوهة التاريخ، بل يؤكد أنه نور نطل من خلاله على الأعماق المظلمة، وسلم نتصل عبره بكل تاريخ الإنسانية.

 القرآن إذن؛ لم يأت لينسف كل ما سبقه من فكر واجتماع ومؤسسات وعمران ليبدأ بعد ذلك حياة إسلامية من الصفر مستنداً على صخرة من اللا تاريخ، وإنما أتى ليستأنف دورة الدين في الأرض وليصل حلقات التوحيد.. وكل قيمة تمت إلى الحق والخير فهي قيمة معترف بها في نسقه القيمي لا يمنعها من ذلك مانع تاريخي لأنه فرع من شجرة التوحيد الأول….

إن المؤمنين الذين يودون وراثة الأرض من بعد دولة الجاهلية كما يطالبهم القرآن بذلك، ليسوا مطالبين أن يبدأوا دورة الإسلام في الأرض من الصفر والعدم. أو يعيدوا نسج خيوطها من أمعائهم كما يفعل العنكبوت، بل إن كل بقية من خير كان عليه الجاهلون ستجد تمامها في الإسلام. وكل نواتج عقلية توصل إليها الجاهلون بالنظر والاستقراء والتجربة يمكن استيعابها وتوظيفها لإقامة الدين.

فالإسلام لا يبتر التاريخ الإنساني ولا يحارب مادة الحياة وقوام الإنسان فيها، وإنما يكيف النوايا ويحور الأهداف ليربطها بمقاصد التوحيد وبواعثه.

وليس بالضرورة أن يكون ذلك عن طريق الهدم والاستئصال. كما ليس بالضرورة أن يكون عن  طريق الحضانة الفكرية والانكفاء على الذات بالصورة التي يتحدث عنها سيد قطب.. وهذه المعاني نلاحظها في هدي الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يسعى لإقامة دولة الإسلام الأولى”. التجاني عبدالقادر حامد: أصول الفكر السياسي في القرآن المكي، ص٤٠_٥١

Leave A Reply

Your email address will not be published.