جيل العطاء.. الدكتور: عادل ضيف الله عميد الشؤون العلمیة الأسبق

0 1٬000

(سلسلة توثيق رموز جامعة الجزيرة)
جيل العطاء..

درس بالدفعة الأولی زراعة…

الدكتور: عادل ضيف الله عميد الشؤون العلمیة الأسبق بجامعة الجزيرة

هيئة البحوث الزراعية ساهمت بكل ماتملك في تدريبنا

البروفيسور: حسين سليمان درسنا أول محاضرة

البریطانیون أشاروا لأنني تلقیت تعلیماً محترماً

أول قاعة درسنا فيها هي قاعه MLT

الوجبات التي تقدم لنا كانت تتم بإشراف خبراء أغذية

“جميس” حارس بوابة السفرة کان أشهر شخصية وسط الطلاب

كمال محمد يس كان أول رئيس لإتحاد طلاب الجامعة

خليل إبراهيم رئیس حرکة العدل والمساواة درس بالدفعة الأولی بكلية الطب

بقلم: يس الباقر

  الزمان يمضي والأحداث تتسارع على شريط الذكريات، وعبر مسيرة الحياة العامرة وجميعاً نمتطي قطار الزمن الذي يقودنا لعوالم ومحطات مختلفة، فتملأ قلوبنا القناعة والرضا والمحبة، وفي دواخلنا عشم كبير بتحقيق كل الأحلام والأفكار التي تداعب أطياف الذكريات الجملية التي تتمرحل عبر السنوات ليسجل التاريخ ذلك بدفاتره تاريخاً عامراً لأشخاص، وميلاد مؤسسة خرجت الآلاف من طلابها الذين ولجوا ساحات العمل العام، وتميزوا في مجالاتهم التي درسوها؛ واضعين ذلك على صفحات كتاب التعليم العالي الذي شهد ميلاد مؤسسة أكاديمية ساهم فيها الجيل الأول، ومن بعده من أساتذة لجعلها مؤسسة ذات اسم وتاريخ.. يحكي الدكتور: عادل ضيف الله خريج كلية الزراعة الدفعة الأولى.. ماذا قال عن حياته وذكرياته بجامعة الجزيرة وعن بدايات التحاقه بها.

مع المحرر

**الميلاد والنشأة:

  كان ميلاده ونشأته بولاية شمال دارفور بمدينة الفاشر حي شوبا؛ الحي الذي يقع شرق مدينة الفاشر في 26 أبريل 1956م، وبعدها انتقل مع والده الذي يعمل معلماً بالمرحلة الأولية إلى منطقة سرفايا والتي تقع بضاحية مدينة الفاشر.. بدأ أول مراحله التعليمية بمدرسة أم كدادة الأولية، وقبل المرحلة الدراسية تنقل مع والده إلى عدة مناطق فذهب إلى منطقة كتم في أقاصي شمال دارفور، ثم إلى منطقة الدور، ومنها إلى منطقة أم برو. يقول الدكتور عادل ضيف الله: إن منطقة الدور هي منطقة المك آدم الطاهر والد اللواء: التجاني آدم الطاهر عضو مجلس قیاده ثورة الإنقاذ الوطني، وهي منطقة وسطية تربط بين جنوب الولاية وشمالها، وهي تمثل لي شيئاً مهماً في حياتي لما تحتویه من تکوین متجانس ومتنوع بمدرستها، فمديرها من شايقية كريمة، ونائب المدير من أم درمان، وبها معلم من ملكال، ومعلم آخر من الأبيض، والحكمة في کل هذه المسألة تبين لك أن المدرسة الأولية كانت تمثل سوداناً مصغراً، وبوتقه ينصهر فيها كل أهل السودان؛ بل كل أهل الولاية فقد كانوا متعايشين في سلام ومودة وإخاء.
ولفت الدكتور: عادل ضيف الله إلى أن الناس في الستينيات كانوا يسافرون عن طريق اللواري، ويقضون الأيام والليالي في الطريق بين منطقة وأخرى، ومدينة ومدينة، وكانوا في الليل يلحتفون الأرض وينامون في أمن وطمأنينة. وقد عاش الناس كل الأيام الجميلة في الصغر والآن نحن في الألفينات وهم يفتقدون للأمن والأمان، ونحن نفتقده في الكبر. ويشير ضيف الله إلى أنه درس بمنطقة سرفايا حتى الصف الرابع وذلك في العام 1969م، وبعد إنقلاب حكومة مايو وتعيين الدكتور: محي الدين صابر –وزيراً للتربية والتعليم تم تغيير السلم التعليمي لتتحول المرحلة الأولية إلى مرحله إبتدائیة ليصبح عدد فصول المرحلة الإبتدائية ستة فصول بدلاً عن أربعة. وأشار إلى أن أهل القرية وماجاورها من قرى قاموا بتشييد الفصلين الآخرين الخامس والسادس بالعون الذاتي وانتقلوا بعدها إنتقالاً سلساً لفصول المواطنين التي شيدوها جزاهم الله كل خير. وكان هذا بجهد من مدير المدرسة الأستاذ: عمر أبو البشر وهو من كادقلي وكان هذا المدير يتمتع بشخصية فريدة، كان عالماً ومربياً وأستاذاً وعمدة جعل المجتمع يلتف حوله، وكان مدیر المدرسة في ذلك الوقت يمثل شخصية مهمة إستطاع كسب ود الناس له الرحمة والمغفرة ولا زال الجميع يذكرونه بالخير.

**تجربة مختلفة:

   يقول: الدكتور : عادل ضيف الله إنتقلت للمرحلة المتوسطة بمدرسة الفاشر الأميرية وكانت بنظام الداخلية ولايزال الوالد يدرس بالقرى، والداخلية مثلت بالنسبة لي تجربة مختلفة جداً، تجد عدداً كبيراً من الطلاب من مناطق مختلفه، وتتيح لك حياة الداخلية مسألة الإعتماد على الذات، وتجعلك كيف تدير حياتك الخاصة، وفي الإجازة تركب لورياً لتصل به للمدرسة، والآن الوضع اختلف تماماً وهذه المدرسة كان مديرها الأستاذ: عبد الوهاب عبد الدائم من منطقة النيل الأبيض؛ فهو من التربويين الأفذاذ ولديه مقدرات إدارية فذة وكان صارماً جداً وفي نفس الوقت كان إنساناً بمعنى ما يوصف به المرء من إنسانية.

**مدرستان بالفاشر:

  وبعد المرحلة المتوسطة، إنتقل للمرحلة الثانوية وفي ذلك الوقت كان في كل إقليم دارفور توجد مدرستان للبنين بالفاشر؛ وهما مدرسة الفاشر الثانوية ومدرسة درافور الثانوية بنين، ومدرسة واحدة للبنات في الجنينة ووقتها كان التعليم يمثل جزءاً من معاناة الأسر، وعدد كبير من الطلاب لم يجدوا حظهم في التعليم بالمدارس لقلة المواصلات، فكان السفر يأخذ ما بين ثلاثة لأربعة أسابيع وحينها يكون العام الدراسي قد قطع شوطاً بعيداً. يقول الدكتور: عادل ضيف الله قُبِلت بمدرسة الفاشر الثانوية وهي داخلية فتم نقل الوالد للفاشر وبعدها نقلت لمدرسة دارفور رغم أن مدرسة الفاشر كانت من ناحية المستوى الأكاديمي هي الأفضل، وامتحنت الشهادة السوانية من مدرسة دارفور.

**صدفة سعيدة:

    ویمضي قائلاً: عندما أنشئت جامعة الجزيرة في العام 1975م بقرار من الرئيس الراحل جعفر محمد نميري؛ تزامن قرار إنشائها مع قرار إنشاء قيام جامعة جوبا كأول جامعتين إقليميتين في السودان لتكونا إضافة للجامعات والمعاهد العليا القائمة في ذلك الوقت لتوسيع فرص قبول السودانيين بالجامعات، وتم قبول أول دفعة لها بعد عامين من قرار إنشائها. يقول الدكتور:عادل ضيف الله  في دفعتنا فتحت جامعتين وهما الجزيرة وجوبا وكان لدينا إعتقاد نحن طلاب دارفور أن أي طالب بعد إمتحان الشهادة السودانية  والذي جلسنا له في العام 1978م يفترض أن يزور الخرطوم وصادف ذلك أن ابن عمي السيد محمد إبراهيم والذي كان يعمل بوزارة الشباب والرياضة لديهم بعثة ذاهبة للخرطوم فوجدت فيها فرصة سعيدة للذهاب للخرطوم وقد ذهبنا من الفاشر لنيالا في رحلة بالقطر استمرت أسبوعاً. ولما كان لا بد من مرور خط سير السكة حديد بمدينة ود مدني فقد لمحت عند مدخل المدينة لافتة مع تقاطع السكة حديد بمدني مكتوب عليها (جامعة الجزيرة)، وفي هذه اللحظة قررت أن أدرس في هذه الجامعة.. وتمر الأيام وأنا أقبل في هذه الجامعة التي مرت مراحل قبولي فيها بمراحل عدیدة حيث لا زلت أذكر جيداً يوم المعاينات حينها ركبت البص من الخرطوم إلى مدني وكانت البصات في ذلك الوقت تتوقف بالسوق الصغير بود مدنی، وعندما نزلت من البص سألت أقرب شخص عن قضيب السكة حديد فدلني عليه، ومن السوق الصغير ذهبت بأقدامي حتى وصلت لجامعة الجزيرة والتي دخلت إليها عبر السور الغربي للكلية الإعدادية حيث كانت الجامعة قد فتحت في سبتمبر 1978م، وأجريت لي المعاينة في المبنى الذي يوجد به معهد إدارة الري والمياه الحالي، وعندما قبلنا بالجامعة كانت توجد داخلية واحدة وكانت بدون إسم، وأطلق عليها لاحقاً داخلية خالد وذلك على إسم زميلنا خالد الطالب بالدفعة الأولى والذي توفي وهو في الفصل الدراسي الأول وهو من أبناء الكريبة نسأل الله له الرحمة والمغفرة، وغرب مبنى الجامعة يوجد مبني (mlt)، والمبنى الأساسي وهو مبنى (معهد الري والمياه) الحالي فكان به (5) قاعات في المبنى الأرضي، وفي الطابق العلوي كان يوجد به معملين معمل للفيزياء ومعمل للأحياء، بينما بالطابق الثالث كانت توجد مكاتب الكلية الإعدادية وكان عميدها البروفيسور : يوسف قمر محمد وكان مكتبه هو آخر مكتب من الناحية الشرقية، والمبنى الحالي لكلية الطب كان تحت التشييد، ولم يكن مخصصاً لكلية الطب وإنما كان مخصصاً كمعامل لكلية العلوم والتكنولوجيا، ودخلت المعاينة وسط رهبة ولکن سرعان ماعدت لوضعي الطبيعي. وفي المعاينة وجدت البروفيسور: يوسف قمر، والدكتور: حسن الطيب الحاج العميد المؤسس لكلية العلوم الزراعية وكان يمتاز بالصرامة الشديدة وهو الذي يبدأ المعاينة، والدكتور: عوض بخيت، والبروفيسور: يوسف محمد الطيب رحمه الله، والبروفيسور:حسين سليمان آدم، وعندما انتقلنا للنشيشيبة كان يوجد بها داخليتين هما زيدان أولاد وبنات، وكانت السفرة التی نتناول بها الوجبات واحدة.

**200 طالب:

  قبلنا 200 طالبٍ للأربع كليات، وكنا نسكن مع بعضنا، ونأكل مع بعضنا، وهذا أتاح لنا بأن نتعرف على جميع طلاب الدفعة الأولی فمثلاً في كلية العلوم الزراعية كان معنا الدكتور: الماحي التلب ويعمل في بلدية دبي، والبروفيسور: مكين عبد الله مكين عمل مديراً لجامعة السلام، وميرغني محمد الخليفة من كبار رجال الأعمال في الاستثمار الزراعي والإنتاج الحيواني، والبروفيسور جلال مصطفى واحد من كبار العلماء في الأحياء الجزيئية نال الدكتوراة في أمريكا، والبروفيسور: جمال البدري وهو كان من قادة العمل البحثي بهيئة البحوث الزراعية وهو الآن بإحدى الجامعات السعودية، وعمر حسب الرسول– مدير بالنيل الأبيض، والجيلاني عبد الله–الأبحاث الزراعية قطاع كردفان، وعبد العظيم عبد الغني– مدير هيئة الرهد الزراعية، وغيرهم كثر من من ولجوا العمل العام والخاص، وكان عدد البنات في الدفعة الأولى محدود وتقريباً لا يتجاوز العدد 5 بنات وهم الدكتورة: إقبال عبد القادر، وإلهام عبد الرحمن وزارة الزراعة، والشفة عبد الرحمن– باحثة بهيئة البحوث الزراعية، ومنى عبيد، ونعيمة الصديق وكلهن كن مميزات.
ومن زملائي وتم تعيننا في يوم واحد مساعدي تدريس أذكر منهم الدكتور: كمال محمود- درس بكلية العلوم والتكنولوجيا درس الماجستير في هولندا، والدكتوارة في أمريكا، والآن هو واحد من أميز الذين التحقوا بشركة إنيل في كلفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية.
ومن طلاب الدفعة الأولى من كلية الطب الدكتور: خليل إبراهيم مؤسس حركة العدل والمساواة رحمه الله وكان يشغل منصب أمين العلاقات الخارجية باتحاد طلاب جامعة الجزيرة والذي كان يرأسه الأخ كمال محمد يس..
ومن الإقتصاد محمد إقبال بابكر المدير العام لبنك العمال، وعلى عسكوري.. وأشار الدکتور: عادل ضیف الله إلى أن أول محاضرة درسوها كانت في قاعة: (mlt) درسهم إياها البروفيسور: حسين سليمان آدم وكانت محاضرة فيزياء.

**دور رائد:

لم ينسى الدكتور: عادل ضيف الله أدوار المؤسسات الموجودة بالولاية عند بداية تأسيس الجامعة وفتح أبوابها لهم كطلاب، وأشار إلى أن جامعة الجزيرة وتحدیداً کلیة العلوم الزراعیة في السنوات الأولى من قیامها، اعتمدت اعتماداً كبيراً على هيئة البحوث الزراعیة، وساهمت الهيئة بكل ماعندها من إمكانيات وخبرات وسخرتها في تدريب طلاب الدفعة الأولى، وخصصت هيئة البحوث الزراعية قاعة لطلاب الجامعة للدراسة بها. وأشار إلى أن الرعيل الأول منهم بذلوا جهداً مقدراً في صقل الطلاب وتزویدهم بالعلم وفي مقدمتهم البروفيسور: عثمان أحمد علي فضل، والبروفيسور: عثمان علي سيد (كشومة)، والبرفيسور: سامي عثمان فريجون في تعليم الطلاب وتدريبهم، هذا بخلاف تعاون أسرة هيئة البحوث الزراعیه أساتذتها وتقنييها وباحثيها الذين تعاونوا معنا تعاوناً كبيراً، ومما سهل لنا ذلك أيضاً وجود المؤسسات الزراعية الكبرى بولاية الجزيرة مثل: مشروع الجزيرة، وهيئة الرهد الزراعية، ووجود مصانع السكر. ومن الأشياء التي لابد من الوقوف عندها أن أول مدير لجامعة الجزيرة البروفيسور: عبد الله أحمد عبد الله والذي تولى منصب المدير لمدة أسبوع تقريباً وبعدها أصبح وزيراً للزراعة الإتحادي، والبروفيسور: محمد عبيد كان قد عين مديراً لجامعة جوبا وعندما ذهب البروفيسور : عبد الله أحمد عبد الله للزراعة عُين البروفيسور محمد عبيد مبارك –مديراً لجامعة الجزيرة، والبروفيسور: السماني عبد الله يعقوب مديراً لجامعة جوبا، وكانت النشيشيبة أصلاً محطة بحوث الثروة الحيوانية وتتبع لوزارة الزراعة والبروفيسور: محمد عبيد رحمه الله طلب من البروفيسور: عبد الله أحمد عبد الله منح البحوث البيطرية لجامعة الجزيرة فأصدر وزير الزراعة قراراً بأيلولة محطة بحوث النشيشيبة لجامعة الجزيرة  وقد أغضب هذا القرار البياطرة فاحتجوا للبروفيسور :عبد الله أحمد عبد الله فقال لهم البروفيسور :عبد الله أحمد عبد الله قد منحتها لجامعة الجزيرة وليست للجزيرة مقرات ويقصد منطقته فهذا كله يصب في مصلحة البلد وخيراتها ولولا بعد نظر البروفيسور: محمد عبيد وتعاون وتفهم البروفيسور: عبد الله أحمد عبد الله ماكان للجامعة أن تحصل على النشيشيبة وكانت النشيشيبة من الإضافات المهمة لجامعة الجزيرة..

**دلالات مهمة:

     إن رؤية الدكتور : عادل ضيف الله قد لا تتوافق مع رؤى كثيرين حول منهج وتسمية الكليات بحسب أداورها التي قامت من أجلها.. يقول عندما دخلنا الجامعة كانت بها (5) كليات وهي: الإعدادية، والعلوم الزراعية، والطب والعلوم الصحية، والإقتصاد والتنمية الريفية، والعلوم والتكنولوجيا. وسميت الكليات نفسها بمدلولات تجعلني أشير لأن الرعيل الأول من الذين ساهموا في تأسيس الجامعة لهم نظرة بعيدة تجاوزت وقتها التسميات السابقة، وأصبح يسمى عليها وجميعها مربوطة بفلسفة جامعة الجزيرة والمرتكزة أساساً على خدمة وتنمية المجتمع  والآن الناس بدأوا يتحدثون عن النزول من الأبراج العاجية ونحن في العام 2022م قامت جامعة الجزيرة على أساس فلسفي قوي، وتفكير بعيد النظر والحديث الذي يقال الآن نفذته الجامعة منذ تأسيسها، وأنا أتحسر كلما قامت كلية للعلوم والتكنولوجيا يذكرنا بالماضي المشرق الذي نشأت عليه الجامعة، فإن الأساس الذي قامت عليه جامعة الجزيرة يجعلنا نسعى للمحافظة على الإرث المتين الذي شبت عليه.

**الحياة الطلابية:

يقول الدكتور: عادل ضيف الله إن جامعة الجزيرة عندما قامت كأسرة واحدة فالطلاب والعمال والموظفين والأساتذة كانوا جميعاً منصهرين مع بعض، ونحن عندما أتينا في الدفعة الأولى كنا كطلاب نسكن في داخلية واحدة في الإعدادية بينما كانت الطالبات يسكن فى منازل مؤجرة بحي الدرجة، وكنا أيضاً نتناول جميع وجباتنا في السفرة، وكان أعمامنا الطباخين يقومون بواجبهم بكل تفانٍ وإخلاص ويقدمون لنا ما لذ وطاب من الوجبات. ومن الطباخين كان عمنا بلة، و عز الدين، وحمدت الله. ولكن أشهر شخصية في السفرة کانت موجودة فی ذلک الوقت هي عمنا جميس حارس باب السفرة الذي كان يحفظنا جميعاً بالأسماء. والوجبات التي تقدم في سفرة جامعة الجزيرة كانت لا تقدم حتى في الفنادق، وكان الأكل مغرياً جداً، وأي شيء كان موجوداً الطبائخ بأنواعها، اللحوم، والمحاشي، والسَلَطات، وفي الغالب الأعم تقدم لنا التحلية في الغداء، وفي العشاء يقدم لنا اللبن والباسطة، وحتى الوجبات وسعراتها كانت تتم بواسطة خبراء أغذية وفق نهج علمي مدروس.. وكان مدير الجامعة يأتي بين الحين والآخر لتفقد الوجبات وجودتها، فقد كنا نتمنى أن يأتينا ضيف وقت الوجبة حتى نقدم له وجبة من وجباتنا المتميزة.

**الإقامة الريفية:

  ويسترسل الدكتور :عادل ضيف الله عن ذكرياته الطلابية والنهج الذي كانت تتبعه جامعة الجزيرة منذ قبوله بالدفعة الأولى، وهي برنامج الإقامة الريفية للطلاب. يقول الدكتورعادل ضيف الله: أن هذا البرنامج نبع من فلسفة جامعة الجزيرة بالإنفتاح نحو المجمتع ودراسة مشكلاته، ويشير إلى أن الطلاب يتم توزيعهم من الأربع كليات على القرى لدراسة المشاكل، وتقديم تقرير متكامل بنهاية مدة الإقامة الریفیة، ويشمل التقرير كل المحاور، وتضمين مقترحاتنا في نهاية برنامج الإقامة. وبدأ هذا البرنامج ينحسر وكلية الطب لا زالت مستمرة في هذا البرنامج، والتدريب الميداني كان يمثل بالنسبة للجامعة خطاً أحمرَ ليس فيه أي تراخٍ، فقد كنا نترحل (ببص الأوستن) بص عمنا طلحة، والطيب ود ضحوية، وأبوعلامة، وترحيل المشرفين من الأساتذة كان يتم بعربة صغيرة، ویوجد لوري لنقل السرائر. وكانت الجامعة تبعث الطلاب بكامل عدتهم وعتادهم للقری والمناطق النائیة، والطلاب أنفسهم كانت لديهم علاقة متميزة مع كل العاملين بالجامعة، وعندما تزوج عم عوض فضل المولى ذهبت كل الجامعة للمسلمية لحضور مراسم زواجه، أما مسألة الإشراف الأكاديمي فقد كانت بحق إشرافاً أكاديمياً حقيقياً؛ فالعدد كان محدوداً والعلاقات امتدت حتى مع الأسر، وجامعة الجزيرة تحت فلسفتها وضعت تعليماً راقياً ومتميزاً وضع لها أساتذتها خططاً وبرامج جديدة. وفي جولتنا للإقامة الريفية ذهبنا للكثير من قرى الجزيرة؛ ذهبنا لطيبة الشيخ عبد الباقي، و24 القرشي، ولدينا نوع آخر من التدريب بمشروع الجزيرة، وهيئة الرهد الزراعية؛ تتم تحت إشراف مفتش تسكن معه في منزله لمدة 45 يوماً تتلقى خلالها التدريب الحقلي. وقد تم توزيعي بالقرية 40 مشروع الرهد مع صلاح عبد القادر مفتش بالقرية 40 ولاحقاً عين أستاذاً بجامعة الجزيرة، ومن ثم ذهب للهيئة العربية للاستثمار الزراعي.

**نشاط ثقافي:

    يقول الدكتور: عادل ضيف الله أنه تخصص علوم محاصيل في جامعة الجزيرة وتخرج في الجامعة ضمن أول دفعة في مارس من العام 1984م، وكان التخصص في أول دفعة بكلية الزراعية ينقسم لقسمين هما: علوم المحاصيل، وإنتاج حيواني. وفي علوم المحاصيل به إنتاج محاصيل ووقاية محاصيل وتربة وبساتين، وفى تخرجينا أقيم حفل كبير أحيى لياليه الموسيقار الفنان محمد الأمين.. ويشير إلى أن الجامعة كانت تمتلئ بالأنشطة بخلاف النشاط الأكاديمي، وكان هناك فنانين من الجزيرة  لهم علاقتهم الممتدة بمجتمع الجامعة مثل الفنان: صديق سرحان، وصديق متولي وغيرهم، ومن العاصمة لم يغب فنانو العاصمة عن المشاركة في الليالي الثقافية واحتفالات تخريج الطلاب مثل: محمد وردي، والكابلي، وعثمان حسين. والجامعة بها أيضاً نشاط رياضي متميز ولدينا لعيبة يلعبون في الدوري بمدني، وكانت الجامعة تنظم رحلات ترفيهية سنوياً لربط الطالب بالسودان. ولدينا طلاب ذهبوا لجبل مرة، وجوبا، والأبيض، وكسلا، وبورتسودان. وكان هنالك زخم كبير جداً بالإضافة لزيارات الشعراء والأدباء أمثال سيف الدين الدسوقي، ورابطة الجزيرة للآداب والفنون كانت تمثل شعلة من النشاط الثقافي والفكري، ويقيمون منتديات رفيعة ويساعدون في إحضار الأدباء والشعراء والفنانين والفرق الثقافية.

**رصيد أكاديمي:

  وبعد التخرج في الجامعة تم تعيينه مساعد تدريس في العام 1985م، ومنذ ذلك الوقت لم يبرح جامعة الجزيرة، وانتقل بعد ذلک لمرحله أخرى فقد نال الماجستير في برنامج مشترك بين جامعة الجزيرة والمركز الدولي للبحوث الزراعية للمناطق الجافة (إيكاردا)، وهذا المركز رئاسته فى حلب بسوريا، وهو من المراكز الدولية الغنية بالبحوث لديه مبنى يوازي النشيشيبة، كان في أجمل مدن سوريا وهذا المركز بكل أسف بعد الحرب تشتت ما بين لبنان والقاهرة والرباط بالمغرب مركز دولي إمكانياته تضيع.
نلت الماجستير بنظام الكورسات في جامعة الجزيرة والتدريب بالمركز الدولي.
ونلت الدكتوراة في إنجلترا في جامعة نوتن هام في فيسيلوجيا المحاصيل. وعندما ابتعثت من جامعة الجزيرة لم يكن الناس في هذه الجامعة يعرفون جامعة الجزيرة، بل كانوا يعرفون جامعة الخرطوم، وعندما ذهبت للمشرفين وعددهم ثلاثة لمقترح البحث سألوني عن جامعة الجزيرة وبعد تقديم المقترح أشادوا بي وذكروا لي بأنني تلقيت تعليماً محترماً وهذا الإحترام وهذه الإشادة أعزيهم لأساتذتي الذين درسوني ولم يقصروا معنا.
  عدت لجامعة الجزيرة من لندن في العام 1995م وأول ماحضرت وجدت مشكلة في مكتب التسجيل والإمتحانات ووقتها كان العميد الدكتور: الطريفي رحمه الله وقد استدعاني لكي أعمل ضابط تسجيل وامتحانات، وبعدها عينت رئيساً لقسم علوم المحاصيل في الفترة من 1997م وحتى العام 2000م، وبعدها نائب عميد كلية العلوم الزراعية من العام 1998م وحتى العام 2000م فكنت مكلفاً برئاسة قسم ونائب عميد في آن واحد، ومنذ العام 2001م وحتى العام 2009م كلفت بمنصب عميد شؤون الطلاب، ومن العام 2014م وحتى العام 2017م كلفت بمنصب عميد كلية العلوم الزراعية، ومن العام 2017م وحتى العام 2019م كلفت أمينا لأمانة الشؤون العلمية، وحالياً أعمل أستاذاً بمعهد إدارة الري والمياه.
ويرى الدكتور: عادل أنه برغم من التكاليف الإدارية إلا أن ذلك لم يمنعه العمل الأكاديمي، فهو رغم التكاليف المتعددة ظل يقوم بالتدريس على مستوى البكالريوس، والماجستير  والدكتوارة، ونشرت له العديد من الأوراق العلمية في المجلات العلمية المختلفة، ورغم التكاليف فإنه يقوم بنشر ورقه علمية على الأقل سنوياً، أما مشاركاته في المؤتمرات العلمية فهي عديدة كان آخرها في شهر أغسطس الماضي في مؤتمر الأمن الغذائي في كازاخستان، ومؤتمر في يوغندا عن تعزيز التعليم العالي الزراعي في إفريقيا، وفي شهر أكتوبر شارك في مؤتمر في نيروبي في كينيا عن التعليم عن بعد في ظل المتغيرات إبان أزمة كورونا، وقبل أسبوعين شارك في مؤتمر بمراكش في المغرب بدعوة من اللجنة الإقتصادية للأمم المتحدة في إفريقيا حول تعزيز الأمن الغذائي في إقليمي شمال وغرب إفريقيا وتم اختياره مقرراً للدورة الحالية رقم (38).

**الرعيل الأول:

   الرعيل الذي ساهموا في تدريسهم بالكلية هم البروفيسور : حسين سليمان آدم، والبروفيسور: عصام عبد الرحمن البوشي، والبروفيسور: يوسف حمد الطيب رحمه الله، والدكتور: محمد عوض الكريم. والفترة الثانية ساهم في تدريسهم البروفيسور: عمر حسن جحا، والبروفيسور: عثمان كشومة، والبروفيسور: عثمان أحمد فضل، والبروفيسور: يحي بشير سراج، والبروفيسور: عبد الإله بدوي، والبروفيسور: نبيل حامد، والبروفيسور: محمد أحمد علي، والبروفيسور: أبو الحسن صالح، والبروفيسور: آدم إبراهيم آدم، والبروفيسور: حسن عبد الله عز الدين، والبروفيسور: عبد الله حسن الجاك. وفی ذلک الوقت لم یکن هناک مکتب للمسجل بالمعنی وإنما کانت النتائج تأتي من الأقسام. وکان البروفیسور : ساتي محمد زین هو المسؤول منها.
  ولفت الدكتور: عادل ضيف الله إلى أنه في بدايات الجامعة كان يوجد نقص في الأساتذة، وكان هذا النقص يعوض بأساتذة أجانب إنجليز وأمريكان وعلى سبيل المثال د.ديفيد إنجليزي الجنسية، محمد خليل يوسف مصري أمريكي، روي فايست إقتصاد زراعي أسكتلندي، إيرش هندسة زراعية، وهناك آخرين بكلية العلوم معظمهم إنجليز، وكانوا يسكنون في المنازل الجاهزة الحالية بالنشيشيبة وهي كانت مخصصة لسكن الأجانب، والعلوم الزراعية عندما قامت هي الكلية الوحيدة التي قامت بأسنانها فمعظم البحوث الممولة خارجياً كانت تأتيها بالإضافة إلى أنها كانت تمثل مصدراً للعملة الأجنبية. وأول كلية أقامت مؤتمرات عالمية ونحن طلاب وأول مؤتمر للإنتاج الحيواني أقيم ونحن بالنشيشيبة أقيم بقاعة هيئة البحوث الزراعية، والمؤتمر الثاني للمياه.

**شخصیة مختلفة:

وبخلاف الأساتذة ومعاونيهم في هیئة التدریس، فإن بالجامعة شخصیات أخرى حفرت تاریخها بالجامعة، وارتبطوا بها فصارت فیما بعد عنوان لهم عمنا حمدین، متعه الله بالصحة والعافية من الشخصیات التي لا یمکن تجاوزها عندما یکون الحدیث عن الجامعة فبرغم من أنه دخل سن المعاش فلا یزال یواصل عمله فیها دون أن ینظر لمقابل فقد ظل یواصل عطاءه فهو شخصیة مختلفة تماماً، ولاینتظر توجیه من أحد حینما یتطلب منه العمل ذلک، وهو شخص یستحق التکریم ویجب أن ترفع له القبعات ودعوتي لإدارة الجامعة تکریمه التکریم الذی یليق به. هذه کانت آخر رساله للدکتور :عادل ضیف الله بحق هذا الرجل الذي أفنی عمره في خدمة هذه الجامعة.

**الأسرة الصغیرة:

    الدکتور : عادل ضیف الله متزوج من البروفیسور : می عبد الله والتي کانت تعمل بکلیة العلوم الزراعیة، ثم انتقلت لکلیة العلوم بأقسام الکیمیاء الإحیائیة والأحياء الجزیئیة. لدیه ثلاثة أولاد وبنت، البنت الکبری ریم تخرجت في کلیه طب الأسنان بجامعة الجزیرة. وعمر یدرس في صیدلة بکلیه إقرأ. وأحمد ممتحن الشهادة الثانویة ویدرس بمدرسة الزمالک الثانویة. ومازن درس بالمرحلة المتوسطة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.