“إن فضلهن عظيم”.. محاربة ذهنية المرا والنقارة والحمارة.. “غير العصا ما عندهن بصارة”

0 91

بقلم: علي فنون
من المقولات والمفاهيم الشائعة والسائدة عن النساء في المجتمع، أنهن: “شريرات، وأخوات الشياطين، وصويحبات يوسف، وأنهن خُلقن من ضلع أعوج لا ينصلح أبداً، ويختمونها بأنّ كيدهن عظيم”.
وكل هذه المقولات الشائعة، تصدر نتاج عقلية ذكوروية متسلطة، تفترض أن السيادة المطلقة في المجتمع، يجب أن تكون للرجال وحدهم، وأن المرأة مجرد “كمبارس وديكور”، ولا تصلح إلا أن تكون تابعاً ذليلاً للرجل.
وغالباً ما يكون ذلك نتاج غبن دفين نحو امرأة ما في حياة الرجل، أو في إخفاقه في خطب ودهن، أو الصدود الذي لقوه منهن في علاقات عاطفية فاشلة، أو ربما نابتهم بعض ( الشواكيش) القاسية على قلوبهم الهشة فانسحقت، وانطفأ وهج بريق الحب فيها..
فأصبحوا أعداء للمرأة، يسومونها أسوأ الصفات، واتخذوها مطية لتفريغ شحنات حقدهم الدفين عليها؛ وذلك بالسخرية والحط من قدر شأنها، فيمارسون القهر والتسلط والضغط النفسي عليها، وحتى العنف الجسدي مباح في شرعتهم، بذهنية المثل الشعبي السلبي عند بعضهم والذي يقول: “المرا، والنقارة، والحمارة، غير العصا ما عندهن بصارة”.

أي أن المرأة والنقارة - وهي: "الطبل الكبير"- والحمارة؛ فلا وسيلة للتعامل بالسيطرة والتحكم بهن إلا باستخدام الضرب بالعصا.

وهو ثحريض صريح لاستخدام العنف ضد المرأة، وهو من المفاهيم السالبة التى ما زالت تنبض في عقول بعض الرجال.
لكن بنظرة عقلانية موضوعية، بعيداً عن العواطف، نجد أن المرأة هي أصل الحياة ومحورها الأساسي في حياة كل رجل.. ففي حياة كل رجل امرأة.
لأنهن كائنات جميلة، ظاهراً وباطناً، وهن روح الحياة وريحانتها.. وكلهم يشتهي شم الرياحين..
وهي وقود الحياة وقوة الدفع التي تسييرها؛ مثل السيارة، فإن كانت بلا وقود فانها تكون كتلة من الحديد الهامد بلا فائدة. وهي السند والعضد له في لحظات ضعفه، في خانة لا تملأها إلا هي.
فأدوارها العظيمة لا تخفى على كل إنسان ذو بصيرة.. بمميزاتها الخاصة التي تفوق قدرات الرجل كثيراً جداً.. برغم جبروته المصطنع..
يكفي فقط أن الله سبحانه وهبها سر الحياة وإنتاج وخلق الإنسان بقدرته. وهذا ما يعطيها الأفضلية المطلقة على الرجل بجانب قدرتها في إدارة شؤون الحياة بجزئياتها التفصيلية التي يعجز عن أدائها الرجال.
ومن ذلك واقعة شخصية حدثت لي..
فقبل أعوام كثيرة اصطحبت آخر العنقود ابنتي الصغيرة “رنيم” لتسجيلها بالصف الأول أساس.
وعند مدخل باب مدرسة (أم يمن) لاحظت أن “البُلبُلة” الصغيرة في أسفل ضفيرتها على وشك السقوط، فحاولت إصلاحه..
لكن “البُلبُلة” اللئيمة انفكت واتملصت في يدي، فحاولت إعادتها إلى مكانها، لكن محاولتي أخفقت وباءت بالفشل.
فجلست على أمشاطي لمدة طويلة أُعيد المحاولات، لكن الأمر كان يزداد سوءاً.. حتى انحل وانفك نصفها واتنكشت، ولم أنجح في إعادتها سيرتها الأولى، وجاطت عليّ المسألة تماماً.
وتملكني الحرج، كيف أقابل إدارة المدرسة في أول يوم وابنتي منكوشة الشعر؟
فما كان مني إلا أن استنجدت بمجموعة الخالات من فراشات المدرسة، واللاتي كنّ على بعد مسافة مني..
وحكيت لهن مشكلتي، فانفجرن بالضحك ساخرات مني.. ثم تناولت الطفلة إحدى الفراشات وأعادت التسريحة بأحسن ما يكون.
فشكرتهن ممتناً.. وذهبت وأنا اتفكر في عظمة النساء..
فهذه المرأة البسيطة استطاعت التفوق علي في جزئية تفصيلية بسيطة، استعصت علي برغم قدراتي المزعومة..
وهي جزئية يعجز عن عملها وإتقانها أجعص بروفيسور من جامعة الخرطوم..
ناهيك عن تمشيط وتسريح طفلتين أو ثلاثة وتظبيتهن بملحقاتهن من الإعدادات للمدرسة كل صباح، غير الأعباء المنزلية الأخرى، ثم تخرج للعمل مثلها مثل الرجل؟
فيالها من مهام صعبة لا تقدر عليها إلا المرأة.. فلهن التقدير والاحترام والتحية..
ونسأل الله أن ينزل شآبيب رحمته والمغفرة على قبور أمهاتنا، ويسبغ نعمة الصحة والعافية على الأحياء منهن..
وجزاهن الله عنا خير الجزاء على مثابرتهن وكفاحهن المستميت بالسهر للحرص على المحافظة على حياتنا من أمراض الحصبة واليرقان والحمى أم برد، التي هى الملاريا الخبيثة والإسهالات..
ونحمد لهن جَلَدهن العظيم بالصبر على عفونات ونجاسات أوساخنا، في زمان كان فيه ( البمبس) خارج نطاق الخدمة.. حتى ترعرعنا وشببنا عن الطوق، فاصبحنا شباباً ورجالاً بأشنابٍ كبيرة أسفل أنوفنا.. فلهن الرحمة والمغفرة .
هذه الأدوار الكبيرة للمرأة والمجهولة والمنسية بجهل من هؤلاء الرجال البلهاء، هي ما يجب على كل رجل أن يعيه جيداً ويتذكره دائماً ويضعه نصب عينيه تقديراً لعظمة دور المرأة.. وأن يُحسِن التعامل برفق وعطف على كل امرأة كبيرة مسنة؛ لأنها أمه..
وأن يحترم ويغض البصر بكل أدب عن النساء والقوارير لأنهن أخواته.. وأن يفسح لهن لطفاً وتعظيماً وأن يقدمهن على نفسه في كل محفل ومكان.. فهن أخواته وأمهات المستقبل القادمات..
وعلى كل رجل أن يدرك أن “فضلهن عظيم” ولا يكرمهن إلا كريم، ولايهينهن إلا لئيم..
وخاتمة الختام ..
قبل قدمي أمك، لأن الجنة تحت أقدام الأمهات..
وكما جاء في الأثر.. “استوصوا بالنساء خيراً” .. صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم..

Leave A Reply

Your email address will not be published.