قضية الهيكل الراتبي لأساتذة الجامعات.. العودة لمربع الأزمة

0 148

تقرير/ راشد حامد عبدالله

أعلنت لجنة أساتذة الجامعات السودانية (لاجسو) استئناف الإضراب المفتوح في الرابع والعشرين من أكتوبر الجاري؛ إضراب شامل عن ما يقوم به عضو هيئة التدريس من مهام؛ باستثناء مراقبة الإمتحانات التي تم إعلانها مسبقاً.. كما أعلنت تمسكها برسم طريقٍ لهيكلٍ منصفٍ للأستاذ الجامعي بسندٍ قانوني صحيح به ضمانات عدم التآكل؛ وتنفيذ فوري يستند فيه الاستحقاق المالي على شروط خدمة واضحة..

إعلان يعيد أزمة هيكل أجور التعليم العالي إلى المربع الأول وواجهة الأحداث، ويزيد من تصدعات أرضية العملية التعليمية بشقيها العالي والعام في ظل واقعٍ اقتصادي وسياسي بالغ التعقيد، ومسدود الأفق، تتنازعه قوى متصارعة، تتقاطع مصالحها، وتتباين أجندتها، فتارة نحو مدنية الدولة التي تعيد كثيراً من الأمور إلى نصابها بحسب أهل المذهب، وتارة إلى توجهات عسكرية تصارع تيارات مقاومة عنيفة لمنع عودتها إلى سُدّة الحكم، ونقب جدارٍ سميك جعلته الثورة بينها وبين نظامٍ أطاحت به ولم تستطع بقايا فلوله أن يظهروه رغم استمرار المحاولات..

**النقابة والسياسة
ولا تنفصل قضية الهيكل الراتبي لأساتذة الجامعات؛ عن ما يدور في الساحة السياسية المضطربة وانقسامات مكوناتها التي تزداد عُمقاً مع الأيام.. وفي نظر بروفيسور هشام عمر النور رئيس الاتحاد المهني لأساتذة الجامعات السودانية، فإن اعتصام من وصفهم بـ”الفلول” أمام رئاسة مجلس الوزراء؛ ذا صلة وثيقة بقضايا الأساتذة المطلبية والنقابية.. غير أنه ألمح إلى أن لجوء الحركة النقابية للإضراب في وقتٍ سابق كان يتم بأولوية تحسين بيئة العمل، وليس من أجل المطالب وتحسين الأوضاع الشخصية..

ونفي علاقة الحركة النقابية بالسياسة في السودان؛ تمثل في اعتقاده محاولاتٍ لأن تظل الحركة واجهة مطلبية في الظاهر، بينما يبقى الحال في الباطن على ما هو عليه؛ بحشر المطالب في زاوية ضيقة لا تتعدى حاجز “الأجور”.. ويرى أن الشعب قد صاغ معركته الأساسية بدقة شديدة في شعار: “مدنيااااااو” وكذلك هو طابع الصراع السياسي القائم الآن حول مدنية الدولة.. ومعركة تحسين الأجور لا تنفصل عن مدنية الدولة باعتبار أن تحسين أجور الأستاذة تُشكِّل جزءاً من قضية إعادة توزيع الفائض الاقتصادي في السودان لصالح المنتجين التقليديين، ومنتجي المعرفة..

**طابع الدولة العسكري
وفي ضوء تطورٍ إنساني أصبحت فيه المعرفة منتجة، يطرح الرجل تساؤلاته المشروعة: هل سيتغير طابع الدولة بحيث يتحول الفائض الاقتصادي من ميزانياتها لصالح المنتجين التقليديين، ومنتجي المعرفة؟ أم ستظل حِكراً للأمن والدفاع كما ساد ذلك طوال (30) عاماً؛ حيث خصصت الدولة أكثر من 60% من ميزانيتها لهذا الشأن، بينما لم يُجاوز نصيب التعليم العالي 0.3%، وحين تحسن هذا الوضع ارتفع إلى 2.3% ولكن مع إضافة التعليم العام لهذه النسبة، ليظل طابع الدولة عسكرياً بامتياز..

وتظل (لاجسو) في دائرة الإتهام بدعوتها لإضراب يتمركز حول تحسين الأجور، وهي بذلك كما يرى رئيس الاتحاد المهني لأساتذة الجامعات، تريد إبقاء الوضع على ما هو عليه والحفاظ على طابع الدولة العسكري.. ولا يشبه إضراب (لاجسو) في رأيه تاريخ الحركة النقابية لا من حيث طريقة الإعلان الذي يتم عادة عبر جمعية عمومية وليس عن طريق “الواتساب”، وتظل الجمعية العمومية منعقدة لمناقشة الحلول التي تم التوصل لها مع المُخدِّم.

وإضراب الحركة النقابية كما يصفه بروفيسور النور، هو بمثابة عيد للاحتفاء بالتضامن، ورفع مطالب الشعب السوداني عالياً، وتساءل: “معقولة نحن في تعليم عالٍ وصل مدى بعيداً من التدهور والانحطاط، ويكون الهدف فقط تعديل المرتبات؟!”.. ويضيف: “كنا سنحترم هذا الإضراب على (عولاقه) إن رفع مطلب إصلاح التعليم العالي”.

**مؤسسات ديمقراطية
والأمر الأهم فيما يحدث حالياً بالتعليم العالي، والشيء المنسجم مع شعارات وقيم الثورة، هو الوصول لمؤسسات تعليم عالي “ديمقراطية”، فالقائم منها حالياً بحسب رئيس الاتحاد، ما زال تستند على قوانين قديمة، لاسيما المادة (16/أ) التي تكرس لسلطة الرجل الواحد وتتيح للمدير استخدامها كيفما شاء، بينما تُقْصَي وحدات الجامعة الأخرى من المشاركة في صناعة القرار. وتستخدم هذه المادة التي يراها رئيس الاتحاد “عاراً” في حق أساتذة الجامعات، من قبل من يمثلون الثورة، غير أن الصحيح في نظره هو تحويل هذه المؤسسات لديمقراطية..

ورغم ما طرأ على قانون التعليم العالي من تعديلات، إلا أنه حافظ على بنودٍ تنتمي للنظام البائد، فمصادر تمويل الجامعات ما زالت تقدم في شكل “دعومات”، كما أنه يخلو من أي إشارة لاستقلالية الجامعات، وهو ما لا يستقيم مع مبادئ وقيم الثورة السودانية؛ ويناقض الوثيقة الدستورية المتضمنة نصاً يقر باستقلالية الجامعات، وتفسيرها، وعلاقاتها بوزارة الداخلية..

**تضليل متعمد
وعلى حسب آخر إحصائية بعد انفصال الجنوب ووصول التعداد السكاني إلى (34) مليون نسمة؛ فإن الأمر كان يتطلب وجود (34) جامعة بواقع جامعة لكل مليون نسمة، غير أن الإحصائيات تشير لوجود نحو (150) جامعة (38) منها حكومية، بجانب الجامعات الخاصة، والكليات الأهلية.. ويتهم رئيس الاتحاد في هذا الشأن (لاجسو) بممارسة تضليل متعمد لجعل الأوضاع كما هي عليه، فمعظم عناصر الجامعات الخاصة من عناصر النظام البائد.. وكل ما يجري في نظره هو محاولة لصرفهم عن قضاياهم وتركيز نظرهم فقط على الأجور، وهو الشيء الذي أكد أن (لاجسو) ستجده عند الغافل..

وتظل قضية المرتبات، جزءاً من قضية الشعب السوداني في إعادة توزيع الفائض الاقتصادي المتركز على الأمن والدفاع. ويشير رئيس الاتحاد في هذه النقطة إلى صرف ما قيمته (37) مليار جنيه على قوات الدعم السريع، وهي الميزانية التي تساوي كل ميزانيات وزارات الخدمات والاقتصاد، معيداً التأكيد بأن معركة الهيكل الراتبي لا تنفصل عن هذا الموضوع؛ فهي قضية لها علاقة مباشرة بمشروع نهضة الشعب السوداني، وهو مشروع لن ينفتح أفقه إلا بمدنية الدولة..

**الانتقال المدني
موقف الاتحاد المهني الآن كما أكد رئيسه هو موقف الشعب السوداني، ومطالبه المتفق عليها بتسليم المكون العسكري السلطة للمدنيين، فالوثيقة الدستورية لم تمنح صلاحياتٍ لمجلس السيادة إلا في حدود ضيقة، غير أن العسكر استغلوا منصب رئيس المجلس للاستيلاء على كثيرٍ جداً من صلاحيات مجلس الوزراء، ولا سبيل إلى حرمانهم من استخدام وضعهم في رئاسة مجلس السيادة؛ إلا بانتقاله للمدنيين..

ويرهن رئيس الاتحاد المهني تحقق مدنية الدولة على مستوى الهياكل والأجسام السياسية، بقيام مجلسٍ تشريعي يُعبر عن القوى الحية في البلاد من نقابات للمهنيين، والعُمال، والموظفين، والشباب، والنساء، فأجسام الانتقال الحالية لا تعبر من وجهة نظره عن القوى الحية.. وتكتمل مدنية الدولة بقضايا يُجمع عليها الشعب ومن بينها قيام المفوضيات المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية؛ كحقوق الإنسان، والفساد، وغيرها، وإكمال الهياكل القانونية، والدستورية؛ حيث يمثل الإصلاح القانوني، وأجسام العدالة أولوية قصوى بالإجماع..

**قانون النقابات
ورغم مرور عامين على مسيرة الثورة، لا يزال قانون النقابات مغيباً عن الساحة، والقانون الذي يريدون تمريره كما ذكر بروفيسور النور؛ يسمح بقيام نقابة المنشأة، فبعد كل التضحيات ومقاومة عسف السُلطة واستبدادها، لن تكون الجائزة حد قوله: “وجود نقابة المنشأة”، ولذلك يراه قانوناً معيباً لا يُعبر عن تاريخ الحركة النقابية في السودان.. ويرى أن من حقهم كأساتذة اختيار قانون يشبه تقاليد الحركة النقابية السودانية، ومقاومة تيار التعددية النقابية وتفكيكها، ومكمن الخطورة في أن قيام نقابة عامة لأساتذة الجامعات وفق الهياكل الصحيحة، سيجعلها أكبر من أي حزبٍ سياسي في السودان، وستصبح مرجعاً لا يمكن بغيره اتخاذ أي قرارٍ سياسي، أو اقتصادي، أو اجتماعي، وبذلك يكون مصير الدولة السودانية بين يدي القوى الحية..

حديث رئيس الاتحاد المهني لأساتذة الجامعات في المؤتمر الصحفي الخاص بالهيكل الراتبي، تطرق لصندوق الضمان الاجتماعي أكبر بؤر الفساد للنظام البائد، ويرى أن لجنة إزالة التمكين “ما شافت شغلها الحقيقي” في هذه المؤسسة المُتشربة بالفساد، وأن الصندوق ليس من حق الحكومة، ويجب أن يتبع للحركة النقابية لاستثمار أمواله لصالح الشعب، والعُمال، والموظفين، والمهنيين، حيث تقود هذه الخطوة للتحكم في اقتصاد البلاد.. وهو الدور المفترض أن تلعبه الحركة النقابية حتى ينفتح أفق الدولة نحو التقدم والنهضة..

**تكرار السيناريو
ويُراد لهذه الثورة التي اعتادت على التراجع بعد حدوث التغيير والجلوس والاكتفاء بالفُرجة كما حدث في أكتوبر، ومارس، وأبريل، تكرار ذات السيناريو، وهو ما يستبعد النور حصوله بعد أن وعى الجميع الدرس جيداً.. وهم يريدون تأثيراً فاعلاً على الحياة السياسية في السودان، والحيلولة دون اندثار قيم الثورة السودانية، أو الاستيلاء عليها؛ وخداع الشعب السوداني، والجلوس على الكراسي للفرجة على الآخرين وهم يلعبون بمصير السودان، ويسدون أفق نهضته، وتطوره، وتقدمه..

ويندرج أي حديث عن أن العمل النقابي في السودان ليس له طابع سياسي، في خانة حديث القوى المعادية للثورة.. فالسواد الأعظم خرج للشارع للتغيير النظام؛ وهو فعل سياسي. وتاريخ الحركة النقابية يحفل بالسياسة، وهو ليس أمراً معيباً، أو مدعاة للخجل. وأي حركة مطلبية وفقاً لتأكيد رئيس الاتحاد المهني، تدخل في سياق الوضع السياسي، وتقديم مطالب بتحسين الأجور كجزءٍ من صراعٍ مع الدولة في اتجاه تحسين الأوضاع وبيئة العمل..

Leave A Reply

Your email address will not be published.